
مقال 4 دقائق للقراءة
وُجُوهُ المَدِينَةِ حكاياتٌ من الأرصفةِ المُهْمَلَةِ
ــــــــــــــــــــــــ، بقلم: أحمد عزيز الدين أحمد كاتب وروائي وشاعر على أرصفة المدينة، حيث يتقاطع الزمن مع الخطوات العابرة، تُكتب حكايات لا تلتقطها العيون بقدر ما تستشعرها القلوب. تلك الأرصفة التي اعتدنا النظر إليها بوصفها مساحات إسمنتية تقودنا إلى وجهاتنا، تخبئ في شقوقها آثار أعمارٍ مضت، وفي زواياها حكايات بشرٍ عبروا الحياة بصمت، ولم يجدوا من يصغي إلى أصواتهم. فكم من قصة وُلدت فوق حجرٍ مهمل، وكم من حلمٍ مرَّ بمحاذاتنا دون أن ننتبه إليه! في الصباح الباكر، حين تتسلل الشمس إلى شوارع المدينة المستيقظة على مهل، تبدأ الأرصفة يومًا جديدًا من حكاياتها الصامتة. تمرُّ الخطوات متثاقلة، يحمل أصحابها بقايا أحلام الأمس وأعباء اليوم المنتظر. وعلى أحد الأركان، يقف بائع الجرائد بصوته المبحوح، يوزع أخبار العالم على المارة، بينما يجلس رجلٌ مسنٌّ على حافة الرصيف، يراقب حركة الناس بعينين تختزنان عمرًا طويلًا من الذكريات، كأنه يشاهد مسرحية تتغير وجوه أبطالها، بينما تظل الحكاية الإنسانية واحدة. وعلى زاوية مهملة، يقف طفلٌ صغير يحمل باقة من الورود، يمدُّها إلى العابرين بابتسامة تضيء وجهه رغم قسوة يومه. لا يعرف الطفل شيئًا عن فلسفة الحياة، لكنه يمارسها بطريقته البسيطة؛ يمنح الناس شيئًا من الجمال، بينما ينتظر منهم ما يعينه على مواصلة الطريق. وعلى مقربة منه، تجلس امرأة تفترش مساحة صغيرة من الرصيف، تعرض قطعًا من الإكسسوارات اليدوية التي صنعتها في ليالٍ طويلة، تحت ضوء خافت وأحلام لا تنام. تراقب المارة في صمت، وتتمنى أن يكون الغد أرحم من الأمس، وأن تفتح لها الحياة بابًا طال انتظاره. ومع اقتراب المساء، تتبدل ملامح المدينة، وتغدو الأرصفة لوحاتٍ رمادية تتخللها دوائر الضوء الأصفر المنبعث من المصابيح. يعود المتعبون إلى بيوتهم، ويتجول العشاق تحت ظلال الأشجار، يقتنصون لحظات دافئة من زمن سريع لا ينتظر أحدًا. وفي الزوايا البعيدة، يبحث الذين ضاقت بهم الحياة عن مكان يستريحون فيه من قسوة الطريق. هناك، تتجاور الضحكات والدموع، وتلتقي الأحلام المؤجلة بالخيبات القديمة، وتحتفظ الحجارة بما لا تقوى الكلمات على البوح به. لكن ثمة أرصفة أخرى لا يلتفت إليها أحد؛ أرصفة أنهكها الإهمال، وتآكلت حجارتها، وتسللت الأعشاب البرية من شقوقها كأنها تعلن أن الحياة تستطيع أن تنبت حتى في أكثر الأماكن نسيانًا. في تلك الزوايا، يعيش أناسٌ خارج دائرة الضوء، لا لأنهم اختاروا الغياب دائمًا، بل لأن المدينة التي تتسع للمباني والشوارع لم تجد لهم مكانًا يليق بإنسانيتهم. يمرُّ الناس بجوارهم مسرعين، وربما يتجنبون النظر إليهم، وكأن تجاهل الحكاية كافٍ لإلغائها، أو كأن الألم يصبح أقل حضورًا حين لا نراه. إن الرصيف المهمل ليس مجرد حجر متشقق، بل قد يكون مرآةً لمدينة نسيت بعض أبنائها، وشاهدًا على فجوة تتسع بين بريق الواجهات الحديثة وعتمة الحياة خلفها. ففي الوقت الذي ترتفع فيه المباني وتزدحم الشوارع بإعلانات النجاح والرفاهية، تظل هناك وجوه لا تظهر في الصور التذكارية، وأيدٍ تعمل ولا تحصد إلا القليل، وأحلام صغيرة لا تطلب من العالم سوى فرصة عادلة للحياة. ولعل أكثر ما يمنح الأرصفة معناها أنها لا تميز بين العابرين؛ تستقبل خطوات الغني والفقير، والمطمئن والحائر، ومن يحمل باقة ورد، ومن يجرُّ خلفه تعب السنين. إنها دفتر مفتوح تكتب عليه المدينة سيرتها اليومية، دون أن تنتظر مؤرخًا يسجل أحداثها، أو كاتبًا يمنح أبطالها أسماءً تليق بهم. فكل خطوة فصلٌ من حكاية، وكل وجه نافذة على عالم خفي، وكل زاوية مهملة قد تكون بداية قصة لم تُروَ بعد. فهل أصغينا يومًا إلى صوت الأرصفة؟ هل تساءلنا عن الحكايات التي تختبئ تحت أقدامنا، وعن المصائر التي تعبر أمامنا فلا نمنحها سوى نظرة عابرة؟ ربما آن الأوان أن نبطئ خطواتنا قليلًا، وأن ننظر إلى المدينة لا من شرفات مبانيها العالية، بل من مستوى الإنسان الذي يسير في شوارعها، ويكافح كي يجد لنفسه مكانًا تحت شمسها. إن الجمال الحقيقي لا يسكن دائمًا الأماكن اللامعة، ولا تظهر الحقيقة كاملة في الصور المنتقاة بعناية؛ فقد تختبئ أعمق المعاني في شقٍّ صغير بين حجرين، وفي ابتسامة طفلٍ يبيع الورد، وفي يد امرأة تصنع من تعبها أملًا، وفي عين رجلٍ مسنٍّ تراقب العالم وقد أدركت أن الأشياء العظيمة ليست دائمًا تلك التي يراها الجميع. وفي النهاية، تبقى الأرصفة أكثر من حجارة صامتة تحت أقدامنا؛ إنها ذاكرة المدينة التي لا تنسى، ومرآة تعكس وجوهنا المتعبة وأرواحنا الحائرة. إنها شاهدة على أحلام وُلدت ولم تكتمل، وخطوات عبرت ولم تعد، وحكايات انتظرت طويلًا من يلتفت إليها. وربما لا تحتاج المدينة إلى مزيد من الضوء بقدر ما تحتاج إلى عيونٍ ترى، وقلوبٍ تشعر، وضمائر لا تسمح للإنسان بأن يتحول إلى تفصيلٍ مهمل في مشهد الحياة. فحين نتعلم الإصغاء إلى حكايات الأرصفة، نكتشف أن المدينة ليست شوارع ومباني فحسب، بل بشرٌ يحمل كلٌّ منهم عالمًا كاملًا؛ وأن أكثر الحكايات استحقاقًا لأن تُروى، هي تلك التي مررنا بجوارها طويلًا، دون أن نعرف أنها كانت تنتظر منا أن نراها.
