
مقال دقيقتان للقراءة
تأملات في الفضول والاحترام
تأملات في الفضول والاحترام
أظن أن الفضول أحد أكثر الأشياء التي تستنزف الإنسان دون أن يشعر. يبدأ بسؤال صغير، ثم يتحول إلى عادة، ثم إلى رغبة دائمة في معرفة ما لا يعنيه. والغريب أن من يرهق نفسه في تتبع حياة الآخرين، غالبًا لا يجد الوقت الكافي ليتأمل حياته هو.
الحمد لله الذي لم يشغلنا بخصوصيات الناس، ولا بتتبع خطواتهم، ولا بالنظر في أرزاقهم، ولا بتصيد أخطائهم. تلك نعمة لا يشعر بها إلا من رأى كيف يستهلك الفضول أعمار أصحابه.
بدلًا من أن نفتش في حياة الآخرين، ربما يجدر بنا أن نفتش في تلك الزوايا المعتمة داخل عقولنا؛ الأفكار التي لم نراجعها، والعيوب التي اعتدنا التعايش معها، والأسئلة التي تهرب منا كلما اقتربنا منها. هناك دائمًا ما يستحق الاكتشاف أكثر من أي حياة لا تخصنا.
ويُروى أن أحد دهاة العرب سأل جارية كانت تحمل طبقًا مغطى: ماذا في الطبق؟ فأجابته: ولماذا غطيناه إذًا؟
أحيانًا تختصر جملة واحدة معنى الاحترام كله.
أتعجب ممن ينصب نفسه قاضيًا على الناس. يوزع الأحكام، ويقيس النوايا، ويقرر من أخطأ ومن أصاب، وكأنه مُنح حق الاطلاع على ما تخفيه الصدور. ولو أنه صرف جزءًا من ذلك الجهد في مراجعة نفسه، لاكتشف أن داخل كل إنسان ما يكفيه من العمل والإصلاح.
المؤلم أن بعضهم يظن هذا التدخل اهتمامًا، ويغلفه باسم النصح أو المحبة، مع أن الحب الحقيقي يترك للناس حق الاختيار، ويحترم حدودهم، ويؤمن أن لكل إنسان رحلته التي لا يشبهه فيها أحد.
ومن نعم الله التي أحمده عليها دائمًا أن شغلني بنفسي أكثر مما شغلني بالناس. وكلما رأيت من يقضي يومه في مراقبة الآخرين، ازددت يقينًا أن أكثر الناس تعبًا هو من يعيش خارج حياته.
وإذا وجدت يومًا من يتحدث عنك بما ليس فيك، وأنت تعلم أنك لم تؤذِه، فلا تجعل قلبك ينشغل به. احمد الله أن جعلك حديثًا على لسانه، ولم يجعله همًا في قلبك.
في النهاية، لكل إنسان ما يكفيه من الأسئلة، وما يكفيه من التقصير، وما يكفيه من الطريق ليقطعه. فلماذا نترك كل ذلك، ونبحث عن مفاتيح أبواب لم تُفتح لنا أصلًا؟
فالحب احترام، والاحترام يعرف حدوده… أما التدخل، فلا يحتاج إلى اسم آخر.
الكاتب تمرد اليامي
