
مقال 3 دقائق للقراءة
المشهد الأدبي: بين عبثية الصراع وضرورة التحكيم بقلم
الكاتب والشاعر صالح إدريس
مقدمة
في زمنٍ اختلط فيه الحابل بالنابل، وامتزجت فيه الأصوات حتى كادت تضيع الأنغام الأصيلة في ضجيج الادعاءات، بات المشهد الأدبي ساحةً مفتوحةً لا تحكمها قوانين، ولا تضبطها معايير، بل يحكمها من يملك الضجيج لا من يملك الموهبة. أصبحنا نرى صراعاتٍ لا تمتّ للأدب بصلة، وإقصاءاتٍ تطال المبدعين لا لضعفٍ في نصوصهم، بل لأنهم لم ينضموا إلى هذا الحزب أو ذاك، أو لأنهم لم يرضخوا لسلطة النقد المتسلط الذي يلبس ثوب الحكم وهو عارٍ من العدل.
أولاً: صراعات الأدباء… حرب لا منتصر فيها
ما يحزن القلب أن ترى أديباً يقضي عمره في محاربة أديب آخر، لا ليرتقي بنفسه، بل لينزل به. صراعاتٌ عبثية تستنزف الطاقة الإبداعية، وتستبدل حبر القلم بسموم الأحقاد. والأدهى أن بعضهم يظن أنه بذلك يحمي موقعته، وهو في الحقيقة يحفر قبره بيده، لأن الأدب لا يُحمى بالحصار، بل بالانفتاح والتعدد.
ثانياً: النقد غير البناء… سيف بلا غمد
لقد ابتُلي المشهد الأدبي بنقادٍ يمارسون القتل الرحيم للنصوص، لا التشريح العلمي لها. نقدٌ يقوم على الأهواء الشخصية، والمصالح الضيقة، والانتقام من كل صوتٍ لا يشبه أصواتهم. النقد الحقيقي مرآةٌ تعكس جمال النص وعيوبه، لا سلاحٌ يطعن به الكاتب من الخلف. ومن هنا تبرز الحاجة الماسة إلى تحكيم حقيقي للنصوص الأدبية، يقوم على أسس موضوعية، ومعايير فنية، ولجان محايدة، لا على مزاج هذا أو هوى ذاك.
ثالثاً: عبثية المشهد… والتحكم المقيت
المشهد الأدبي اليوم أشبه بسوقٍ عشوائي، كلٌّ ينادي على بضاعته، والغوغاء تتبع من يصرخ أعلى. هناك من يتحكم في المنابر، ويوزع الأضواء حسب الولاءات، ويقصي الآخرين بحجة أنهم "ليسوا من المدرسة" أو "ليسوا من الجيل" أو "ليسوا من هذا التيار". فيختصر على مبدعين حقيقتهم، ويصادر أحلامهم قبل أن تُكتب. هذا التحكم المقيت هو أخطر ما يهدد الأدب، لأنه يقتل التنوع، ويقتل روح المبادرة، ويقنع الموهوب بأن لا مكان له إلا إذا انصاع.
رابعاً: هل نترك الحكم للتذوق الخاص للقارئ؟
هنا سؤال جوهري: إذا كان النقد قد فسد، والتحكيم قد غاب، فهل نترك الحكم النهائي للتذوق الخاص للقارئ؟ في رأيي: لا، ولا. نعم، القارئ هو الغاية، وذوقه مهم، لكن التذوق الفردي ظرفي، ومتغير، ومحدود بالخبرة والاطلاع. لا يمكن أن نبني معياراً للأدب على مجرد "أعجبني" أو "لم يعجبني". الأدب علمٌ وفنٌّ، له قواعد وأسس، ولا بد من تحكيم مؤسسي عادل، إلى جانب احترام ذوق القارئ، لا أن نلغي أحدهما بالآخر.
خامساً: إذا فسد الهواء… فاصنع عالمك الخاص
وهنا خلاصة رأيي الشخصي، الذي أطرحه بكل تواضع: إذا كان هواء الأدب قد فسد، والمناخ قد تكدّر، والأبواب قد أُغلقت في وجهك، فما المانع من أن تنشئ عالمك الخاص بك ككاتب وشاعر وأديب؟
نعم، فلتكن أنت سيد مشهدك، ومحكم نصوصك، ومرآة ذاتك. اكتب ما تؤمن به، وانشر حيث تستطيع، واصنع جمهورك الذي يقرؤك لأنك صادق، لا لأنك مدعوم. إن العظماء الحقيقيين لم ينتظروا إذناً من أحد، بل شقوا طريقهم وسط الصخور. والأدب لا يحتاج إلى تاجرٍ يوزع الأدوار، بل إلى روحٍ حرة ترفض العبودية.
خاتمة
إن المشهد الأدبي اليوم في حاجة ماسة إلى ثورة أخلاقية وجمالية، تعيد للنقد رصانته، وللتحكيم عدالته، وللأديب كرامته. ومع ذلك، لا يجب أن ننتظر هذه الثورة لنكتب. فلنكتب رغم العبث، ولنبدع رغم الإقصاء، ولنصنع لأنفسنا عالماً خاصاً إن ضاق بنا العالم. لأن الأدب في النهاية ليس صراعاً على كرسي، بل رحلة في النفس والوجود.
