
مقال 4 دقائق للقراءة
هل العمر مجرد رقم؟
بقلم: الكاتب والشاعر صالح إدريس
كثيرًا ما نسمع تلك العبارة تتردد على الألسنة، تُلقى كأنها حكمة خالدة، وكأنها حقيقة لا تقبل الجدل: "العمر مجرد رقم". تُقال في مجالسنا، وتُكتب على صفحاتنا، وتُرفع كشعار يرفعه من يريد أن يتفلّت من قيود الزمن، أو أن يتنكّر لواقع الحال. وأنا، إذ أتأمل هذه المقولة، أجدني أقف منها موقف المعارض، لا عنادًا ولا تشاؤمًا، بل إنصافًا للحق، ووفاءً لسنن الله في خلقه.
إن العمر ليس مجرد رقم يُضاف إلى سنواتنا، أو يُحصى على أصابعنا، ثم نمضي وكأن شيئًا لم يكن. العمر عمران: عمرٌ بالأيام، وعمرٌ بالأثر. وكل مرحلة من مراحل العمر لها وقارها، ولها ظروفها التي تُلازمها، ولها ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان فيها من سمتٍ وهديٍ وسلوك.
خذ مثلًا ذلك الرجل الذي اكتسى شعر رأسه بالبياض، وامتدت في وجهه خطوط التجارب، ووهنت في جسده قوى الشباب. أيرضى لنفسه أن يتصابى، وأن يعود إلى مراهقةٍ قد ولّت منذ عقود؟ أيرضى أن يرقص على أنقاض شبابه، وأن يتحدث بلسان من لم يجرب، وأن يتصرف كأن الزمن لم يمسّه؟ إن فعل، فقد ظلم نفسه، وظلم وقار عمره، وظلم تلك التجارب التي كوّنته.
إن العمر ليس رقمًا؛ إنه مراحل لكل منها حكمها. مرحلة الطفولة لها براءتها، ومرحلة الشباب لها قوتها وحماسها، ومرحلة الكهولة لها حكمتها ورزانتها، ومرحلة الشيخوخة لها وقارها وتجربتها. ولكل مرحلةٍ لبوسها ولغتها وحدودها التي لا يصح أن تُتجاوز.
وهنا يقف القرآن الكريم موقفًا حاسمًا في هذا الباب، حين يقول الله تعالى: "حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ" (الأحقاف: 15). لقد جعل الله الأربعين محطةً فارقة، سنَّ عندها النضج العقلي، واكتمال القوة، وبداية مرحلة جديدة من الوعي والشكر والمسؤولية. فلو كان العمر مجرد رقم، لما كان للأربعين هذا الوقع في الخطاب الإلهي، ولما كانت هذه المحطة العمرية ذات هذا الثقل في التشريع والتربية.
📜 قصيدة "دع عنك ما قد كان في زمن الصبا" (لصالح بن عبد القدوس)
إذا كنت تقصد القصيدة التي تبدأ بـ "دع عنك أيام الصبا"، فهذه أبياتها المشهورة:
فَدَعِ الصِّبَا فَلَقَدْ عَدَاكَ زَمَانُهُ * وَازْهَدْ فَعُمْرُكَ مَرَّ مِنْهُ الأَطْيَبُ
ذَهَبَ الشَّبَابُ فَمَا لَهُ مِنْ عَوْدَةٍ * وَأَتَى الْمَشِيبُ فَأَيْنَ مِنْهُ الْمَهْرَبُ
دَعْ عَنْكَ مَا قَدْ كَانَ فِي زَمَنِ الصِّبَا * وَاذْكُرْ ذُنُوبَكَ وَابْكِهَا يَا مُذْنِبُ
وَاذْكُرْ مُنَاقَشَةَ الْحِسَابِ فَإِنَّهُ * لَابُدَّ يُحْصِي مَا جَنَيْتَ وَيَكْتُبُ
لَمْ يَنْسَهُ الْمَلَكَانِ حِينَ نَسِيتَهُ * وَالرُّوحُ فِيكَ وَدِيعَةٌ أُودِعْتُهَا
فهل يقول هذا من يرى أن العمر مجرد رقم؟ إن أبا ماضي يعلم أن لكل عمر نظرته، ولكل مرحلة عينها التي ترى بها الدنيا. عين الصبي ترى الأحلام، وعين الكهل ترى الحقائق. ولو كان العمر رقمًا واحدًا، لما اختلفت الرؤى، ولما تغيّرت النظرات.
إن القول بأن العمر مجرد رقم فيه إنكار لسنن الله في الخلق والتكوين. لقد جعل الله للإنسان سنًا وأطوارًا، وجعل لكل طور خصائصه ومتطلباته. فمن بلغ الأربعين أو الخمسين أو الستين، لا يصح أن يعيش بعقلية ابن العشرين، ولا أن يتصرف كما يتصرف المراهقون. ليس هذا تكريمًا للعمر فحسب، بل هو حفظ للتوازن الاجتماعي، وصيانة للوقار الذي هو تاج الكبر.
نعم، قد يبقى القلب شابًا، وقد تبقى الروح متوهجة، وهذا مطلوب ومحمود. لكن شباب القلب لا يعني تصابي السلوك، وتوهج الروح لا يعني تجاهل الجسد وظروفه وحدوده. هناك فرق بين أن تحتفظ بنضارة داخلك، وبين أن تتنكر لواقعك وتتجاهل مرحلة عمرك.
إنني لا أدعو إلى العزلة، ولا إلى الانطواء، ولا إلى دفن الحيوية والطموح. ولكنني أدعو إلى أن نعطي كل مرحلة حقها، وأن نلبس لكل عمر لبوسه. فالشيخ الذي يحترم شيخوخته هو الذي يُحترم، والذي يعرف قدر نفسه هو الذي يعرف الناس قدره.
وهكذا، فإن عبارة "العمر مجرد رقم" لا تقاس على كل شيء، ولا يصح أن تكون قاعدة عامة. صحيح أن العمر قد لا يحدد طاقات الإنسان كلها، وقد لا يمنعه من العطاء والطموح، لكنه بالتأكيد يحدد موقعه في سلم المراحل، ويحدد ما ينبغي له وما لا ينبغي. إن العمر ليس رقمًا؛ إنه وقار، ومسؤولية، وحكمة، وظروف لكل منها وزنها واعتبارها.
فليتذكر كل منا أن لهذا العمر وقاره الذي لا يُمتهن، وظروفه التي لا تُتجاهل، ومكانته التي لا تُنكر. وإنني، إذ أكتب هذه الكلمات، إنما أدعو إلى الإنصاف لهذا العمر الذي وهبه الله للإنسان، وإلى احترام السنن التي أقام الله عليها هذا الكون، وإلى أن نكون أمناء على مراحلنا العمرية، لا أن نتنكر لها وندّعي أن العمر مجرد رقم.
فالعمر ليس رقمًا... العمر حياة تُعاش بوقار، ومراحل تُحترم، وسننٌ تُتبع.
