مايفعله الفقد
أتعرف ما يفعله الفقد؟
لا يأخذ أحدا دفعة واحدة
يتركه موزعا في الأشياء
في كوبٍ لم يشرب
مقعدفارغ
رائحة يد
كانت تعرف الطريقَ إلى كتفي.
في أغنية تغير معناها
في مرآة صارت أكثر صدقا من اللازم
الغياب يعيد ترتيب أثاث الروح
كأنه نجار أعمى
يفك المسامير من الأماكن التي ظنناها أبدية
صار الباب يعرف أن لا أحد سيطرقه بالطريقة ذاتها
السرير يحتفظ بانحناءةٍ لا يملك جسدا ليستعيدها
والليل يطيل وقوفه عند النافذة
كموظفٍ قديمٍ نسي سبب انتظاره
ثم
يحدث الشيء الأكثر قسوة
تبدأُ الأشياء في التخلي عنك
دون أن تتحرك من أماكنها
يتحول البيت إلى شاهد صامت
وتصبح التفاصيل محكمة سرية
تستدعيك كل مساء
لتذكرك بما لم تعد تملك حق إنكاره
حتى صوتك
يعود إليك أحيانا غريبا
كأنك استعرته من نسخة أخرى
ثم نسيت أن تعيده
وحين تظن أنك تجاوزت الحكاية
تكتشف أن التجاوز خدعة لغوية
فالذي نعبره بأقدامنا
قد يبقى عالقا في تعريفنا لأنفسنا
الفقد لا يعلمنا كيف ننسى
إنه يجردُنا من رفاهيةِ النسيان
يجعلُ الذاكرة أكثر مكرا
تخبئ جرحها في تفاحة
وفي رنين هاتف
وفي مساءٍ عابر
ثم تدفعه فجأة إلى قلبك
دون مقدمات
ومع ذلك...
يجيء صباح
لا يحمل وعدا
ولا اعتذارا
ولا عودة
صباحٌ عادي إلى حد المعجزة
تفتح فيه النافذة
فتدخل الشمس إلى المكان
دون أن تسأل عمن غاب
عندها فقط
تفهم أن الحياة لا تنتظر اكتمالنا
إنها تبدأُ من الشقوق
وتتركنا نتعلم المشي
بما تبقى منا
سحر الحسيني

13 مشاهدة