عزّةٌ لا تسأل إلا الله
وأعمقُ من الصمت أن تُدرك أنه لم يكن يومًا هروبًا من الكلام، بل انصرافًا من جدوى الكلام.
فالسؤال "لماذا؟" يفترض أن للأذى علّةً تُشفي إن عُرفت، والحقيقة أن أكثر ما يوجعنا لا علّة له تُقنِع!
إنّما جاءنا من نقصٍ في غيرنا، لا من استحقاقٍ فينا.
في أعماق كلٍّ منّا موضعٌ لا تبلغه اللغة،
وكلُّ ما نقوله عن الوجع إنما هو ظلُّه على جدار، أما الوجع نفسه فيقيم هناك في العتمة، لا يطلب ترجمة.
وحين نصمت نُنصف هذا الموضع، ونقرّ بأن بعض الحقائق أكبر من أن تُختصر في جملة، وأن اختصارها خيانةٌ لها.
وأعجبُ ما في الأمر أنّ العزّة هنا ليست ضدَّ الضعف، بل هي أن تتعايش معه بلا شهود:
أن تعرف أنك انكسرت، وتأذن لنفسك بذلك،
ثم لا تجعل انكسارك معرضًا للناس، ولا حجّةً على أحد.
هذا هو الفرق بين من يُخفي جرحه خجلًا، ومن يستره أدبًا مع الله ثم مع نفسه
وربما كان آخر ما يتعلمه المرء أن الصمت لا يُنهي الحكاية، لكنه يُغيّر راويها.
فبعد أن كان الجرحُ هو الذي يتكلم فينا، نصير نحن الذين نختار متى نذكره ومتى ندعه.
وتلك، لعمري، أهدأ صور الحرية، وأصدق معاني العزّ.
وهنا يتحوّل صمتك من كتمانٍ إلى مناجاة، ومن عزّةٍ بين الناس إلى أُنسٍ بين يدي الله،
فيصير الوجع وردًا، والليل خلوةً، والدمعة ذكرًا بلا لسان.
فما أجمل أن يبلغ المرء حدًّا يقول فيه:
يا ربّ.. لم يبقَ لي سؤال، يكفيني أنك تعلم!"
فعندها يُجاب بلا كلام ويُحتضن بلا لقاء، ويعرف أن العزّة الحقّ لم تكن في الصمت عن الناس، بل في الإقبال على من لا يخيب من أقبل عليه
1 مشاركة33 مشاهدة