
مقال دقيقتان للقراءة
القداسة و الاثم
في أعماق الإنسان يتجاور النقيض وتتصارع الوجوه الخفية بحثا عن الغلبة. وربما كانت الحقيقة تسكن الجانب الذي قضينا أعمارنا نحاول إخفاءه.
القداسة والإثم
بداخل كل قديس شخص آثم يختبئ في أحد سراديبه الداخلية وفي قلب كل آثم قديس يحاول أن يجد له مكانا بين رغباته ونزواته. كلاهما يسكن الإنسان ذاته ويتقاسمان روحه في صراع خفي لا يراه سواه.
اقترب من نفسك قليلا وتأمل ما يدور في داخلك ستجد رغبات تخفيها عن الناس وأفكارا تمر بك ثم تتظاهر بأنك لم تفكر بها يوما. ستجد فيك جانبا يبحث عن الفضيلة وجانبا آخر يتوق إلى التحرر من كل القيود التي فرضها عليه المجتمع. وبين الاثنين تقف أنت تحاول أن تفهم نفسك وتعرف أيهما يشبهك أكثر.
الغريب أن الإنسان يقضي عمرا طويلا في تهذيب صورته أمام الآخرين بينما يترك حقيقته حبيسة صدره. يخاف أن يراه الناس على طبيعته فيتعلم كيف يخفي غضبه ورغباته وضعفه حتى يصبح مع الوقت غريبا عن نفسه. وقد ينجح في إقناع الجميع بقداسته بينما يعرف في أعماقه كم مرة خالف ما يدعو إليه.
وربما كان الآثم أصدق مع نفسه من القديس حين يعترف بما يرغب فيه دون أن يختبئ خلف صورة مثالية. فالقداسة حين تصبح وسيلة لكسب رضا الآخرين تفقد معناها ويتحول الإثم أحيانا إلى مرآة تكشف ما نحاول إنكاره. ومع ذلك فإن الاعتراف بالرغبة شيء والاستسلام لها شيء آخر فليس كل ما نشتهيه يستحق أن نتبعه وليس كل ما نخفيه عيبا يستوجب الخجل.
راقب هذا الصراع داخلك دون أن تستعجل الحكم على نفسك. حاول أن تفهم من أين تأتي رغباتك ولماذا تخاف بعضها ولماذا تتمسك ببعض القناعات. فقد تكتشف أن كثيرا مما تسميه فضيلة ورثته من خوفك من الناس وأن كثيرا مما تسميه خطيئة يحتاج منك إلى فهم أعمق قبل أن تصدر عليه حكما.
في النهاية لا أحد يعرف حقيقتك كاملة سواك. أنت تعرف ما تخفيه خلف ابتسامتك وما تقوله لنفسك حين تغيب العيون. وربما كانت شجاعتك الحقيقية أن تواجه هذا الإنسان الذي يسكنك بوجهيه المتناقضين وأن تعترف بوجودهما دون أن تجعل أحدهما حجة لتبرير الآخر.
ففي داخل كل منا قديس وآثم يتنازعان الطريق ويبقى الاختيار مسؤوليتنا وحدنا.
