
مقال دقيقتان للقراءة
اقرأ صمت اخيك. فلعل عزة النفس اسكتته
🔰 اقرأ صمتَ أخيك… فلعلَّ عِزّةَ النفسِ أسكتته
دخل رجلٌ غريبٌ إلى مجلس أحد الحكماء الأثرياء، فجلس في طرف المجلس يصغي إلى الشيخ العالم وهو يحدّث تلامذته ويعلّم جُلساءه. كان الغريب لا يحمل ملامح طالب علم، بل بدا كأنه سيّدٌ أذلّته صروف الحياة. دخل فسلّم وجلس حيث انتهى به المجلس، ممسكًا بقارورةٍ صغيرةٍ لا تفارق يده، وفيها ماءٌ لا يميّزه أحدٌ عن سواه.
توقّف الشيخ عن الكلام، والتفت إلى الرجل، وتأمّل وجهه مليًّا، ثم قال: "ألَكَ حاجةٌ نقضيها؟ أم لك سؤالٌ نجيبك عنه؟" فقال الرجل بهدوء: "ليس لي سؤالٌ ولا حاجةٌ أسألكم إياها، إنما أنا تاجر، وقد سمعتُ عن علمك وحسن خُلُقك ومروءتك، فجئتُ لأبيعك هذه القارورة. وقد أقسمتُ أني لا أبيعها إلا لمن يعرف قيمتها، ولا أرى أحدًا أولى بها منك."
تناول الشيخ القارورة وتأمّلها، وهزّ رأسه كأنما أعجب بها، ثم قال للغريب: "بكم تبيعها؟" قال الرجل: "بمئة دينار." فقال الشيخ: "هذا ثمنٌ قليلٌ عليها، سأعطيك مئةً وخمسين." لكنّ الرجل ردّ قائلًا: "بل مئةٌ كاملة، لا أزيد ولا أنقص."
فأمر الشيخُ ابنَه أن يدخل على والدته ليحضر مئة دينار. فأُعطي الرجل ما طلب، فشكر ومضى هادئًا راضيًا. وانفضّ المجلس وقد تملّك الحاضرين العجب من هذا الماء الذي اشتراه شيخهم بمئة دينار كاملة!
لم يلبث الشيخ أن دخل مخدعه ليستريح، غير أن الفضول غلب الابن، فأخذ يفحص القارورة ويتأمّل ماءها، حتى تبيّن له بما لا يدع مجالًا للشك أنه ماءٌ عادي لا يختلف عن ماء السقّاية في شيء. فدخل على أبيه مضطربًا وقال: "يا حكيم الحكماء، لقد خُدِعت! فوالله ما في القارورة إلا ماءٌ عادي، لا يساوي شيئًا، ولا أدري أيّهما أعجب: دهاءُ ذلك الرجل أم طيبتك وتسرّعك!"
ابتسم الشيخ ابتسامة العارف، وقال لابنه برفق: "يا بني، إنك نظرتَ ببصرك فرأيتَ ماءً عاديًا، أمّا أنا فقد نظرتُ ببصيرتي. رأيتُ رجلًا جاء يحمل في هذه القارورة ماءَ وجهه، الذي منعته عزّةُ نفسه من أن يُريقه بالسؤال والشكوى أمام الناس. كان محتاجًا إلى مقدارٍ من المال يقضي به حاجته، ولم يُرِد فوقه شيئًا.
وقد أكرمني الله بأن فهمتُ قصده وقضيتُ حاجته، وحفظتُ عليه ماء وجهه. ولو أقسمتُ ألف مرةٍ أن ما دفعتُه قليلٌ بحقّ صون كرامته، لما حنثتُ في يميني.
يا بني… إن استطعتَ أن تعرف حاجةَ أخيك قبل أن ينطق بها فافعل، فذلك أجمل وأكمل. وتفقّد دائمًا أهلك وجيرانك وأحبابك؛ فقد يكون فيهم من ضاق عليه العيش، لكن العفاف والحياء يمنعانهم من السؤال. فاقرأ حاجتهم في صمتهم، قبل أن تُسمع شكواهم في كلامهم."**
وما أصدق القائل: "إذا لم تستطع أن تقرأ صمتَ أخيك… فلن تستطيع أن تسمع كلامه." . .
