
مقال دقيقتان للقراءة
عصفور ودرويش
لا أحد يستطيع أن يدرك أسرار الله في خلقه، ولا كُنْهَ اللغة التي تتواصل بها الأرواح؛ فربما استحقرت شيئًا، ثم اكتشفت أنه هو القادر على العطاء وتحقيق ما تريد.
يحكي الشاعر العملاق الأستاذ بديع خيري عن موقف شاهده عيانًا، جمع بين الملحن العبقري المجدِّد، خالد الذكر سيد درويش، وعملاق المسرح في عصره، الأستاذ نجيب الريحاني.
يقول بديع خيري إنه ذات مرة، لحَّن سيد درويش لحنًا سيغنيه نجيب الريحاني على المسرح، وإذا بالريحاني يعترض قائلًا إن هذا اللحن سريع جدًّا، ولا يتناسب مع قدرته الغنائية؛ فصوته أجشُّ، ونَفَسُه لا يُسعفه على أدائه. وهنا اعترض سيد درويش بحدَّة، وقال له إن اللحن سيظل كما هو، وإنه لا يقبل تعديلًا في ألحانه.
فردَّ عليه نجيب متهكِّمًا: «يعني موزار يا خي؟!»
ليأتيه الرد القاطع من درويش: «متشكر يا سي نجيب، مش هشتغل تاني».
وغادر سيد درويش المكان غاضبًا، وهو في عنفوانه؛ إذ كان صلبًا عنيدًا، لا يغيِّر رأيه، ولا يقتنع إلا بموهبته الفذَّة.
وهنا يذكر بديع خيري، ثالث هؤلاء العمالقة الثلاثة، أنه كان أشدَّ حزنًا من غضب الاثنين أحدهما من الآخر، فحاول جاهدًا أن يجد طريقة للصلح بينهما. فسعى لدى صديق مشترك بينه وبين سيد درويش، وطلب منه أن يبلغه سرًّا بموعد زيارة درويش له، حتى يحضر هو ونجيب الريحاني على حين غِرَّة، ويتم الصلح بينهما.
وافق الرجل، وتم الاتفاق. وعندما زار سيد درويش صديقه، حضر بديع خيري والريحاني معًا، واجتمع الأربعة، وبدأت مناقشة الخلاف، لكن الأمر ازداد حدَّة، وبدا الصلح مستحيلًا.
وفي خضم النقاش وارتفاع الأصوات، انطلق صوت عصفور كناري كان يمتلكه الصديق الرابع. وسرعان ما انتفض سيد درويش من مكانه، وحمل عوده، فتفاجأ الجميع، وتساءلوا: ماذا سيفعل الشيخ سيد؟
فأجابهم بأنه سيلحِّن إيقاع هذا العصفور!
وهكذا نزل اللحن على الجميع بردًا وسلامًا، وسكنت العصبية، وهدأ الانفعال، وتعانق سيد درويش ونجيب الريحاني متباكيين، ثم خرجا وهما على أصفى حال، وكأن شيئًا لم يكن.
وهنا يذكر بديع خيري طبيعة سيد درويش المرهفة الحساسة، التي عجز البشر عن تهدئتها، فإذا بمخلوق بسيط، كعصفور الكناري، ينجح في ذلك.
لا أحد يستطيع أن يدرك أسرار الله في خلقه، ولا كُنْهَ اللغة التي تتواصل بها الأرواح؛ فربما استحقرت شيئًا، ثم اكتشفت أنه هو القادر على العطاء وتحقيق ما تريد.
