أنا المواطن
أنا المواطن؛
لفظتني الأبجديات للمتاهة
و سيق ظلي لمحرقة اللاجدوى،
و ارتسم وجهي بمرايا الغياب
أنا المواطن؛
نسيت ابتسامتي فوق موائد الأمس،
حين كان الأُنس يبلل وسادتي بوعد وحلم،
وكان للقمر مقعد في نافذتي،
ولفجري بهاء تكتبه العصافير
ولخبزي رائحة تشبه الطمأنينة،
ولصباحي يد تربت على كتف الانتظار.
أنا المواطن؛
سرقتني الجهات
وتركتني معلقاً بين فاصلتين،
أخبئ في جيبي وطنا صغيرا،
ومفتاحا لبيت لم تبنه الوعود،
وصورة لغد مجهول
أنا المواطن؛
أحمل أطفالي على كتفي
كي لا تطالهم حفر الطريق،
وأحمل الطريق في صدري
كي لا يسقطوا من خرائط النجاة،
أعدهم بسماء لا تثقبها الرصاصات،
وبمدرسة لاينام
بين مقاعدها الخوف،
ترسم لهم أحضان الوطن
بوعد لا تباع فيه أحلام الطفولة
أنا المواطن؛
لي في كل نافذة أُمنية،
وفي كل باب حكاية مؤجلة
وفي كل نشرةٍ خيبة؛
فأعود كل ليلة لسريري
أضع رأسي فوق وسادة
لا تتقن إلا الإصغاء للقلق.
أنا المواطن؛
أحلم بوطن لاأشرح فيه
لماذا أستحق الحياة؟!
ولا أقدم قلبي وثيقة عبور،
ولا أحتاج إلى معجزة
كي أجد دواء
أنا المواطن؛
أريد من الأرض حفنة أمان،
ومن السماء غيمة تمطر
فتزهر فرحاً
أريد من القانون كفة لا تميل،
ومن العدالة عينين
لاتغمضان حين يمر الظلم،
ومن الغد يدا تمتد إلي
دون أن تخفي في كفها
فاتورة جديدة للخذلان
أنا المواطن؛
آخر من يغادر الحلم،
وأول من يوقظ التراب،
أمشي وفي صدري ألف وطن،
وفي عيني طفل يسألني:
متى نكبر دون خوف؟
أخبئ في رماد الأمس جمرة،
وفي حنجرتي وطناً
لم يتعلم الانحناء.
أنا المواطن؛
لست رقما ينام في دفاتركم،
ولا ظلا يعبر مواسمكم،
أنا النخلة التي تحفظ أسماء العابرين،
أنا النهر الذي سجل التاريخ
والأم التي تقاسم رغيف المحبة
إن خذلتني الجهات
أقمت في قلبي صرحاً
كلما قالوا إنتهى الطريق،
كتبت بوجعي بدايته،
وكلما ضاق بي الوطن،
وسعت له قلبي...
ثم انتظرت أن يتسع لي.
أنا المواطن ...
د. سما سامي بغدادي
