
مقال 9 دقائق للقراءة
تمكين لا تهميش..حقوق المرأة في الإسلام بين ضمانات التشريع وإشكالات التطبيق
قراءة موضوعية في حقوق المرأة في الإسلام، تكشف الفرق بين عدالة التشريع وممارسات المجتمع، وتناقش أبرز الشبهات المعاصرة في ضوء النصوص الشرعية والحقائق التاريخية.
حين تُثار قضية حقوق المرأة في الإسلام، غالبًا ما يتجه النقاش إلى أحد طرفين: خطاب دفاعي يرى في التشريع الإسلامي إجابات نهائية عن جميع الأسئلة، وخطاب نقدي يحمّل الدين مسؤولية ما تعانيه بعض النساء في المجتمعات المسلمة من تمييز وتهميش.
لكن القضية أعمق من هذا التقابل؛ إذ لا يمكن فهم مكانة المرأة في الإسلام دون التمييز بين ثلاثة أمور: ما قررته النصوص المؤسسة، وما اجتهد الفقهاء في فهمه وتنظيمه، وما أنتجته المجتمعات من أعراف وممارسات قد تتفق مع هذه الأحكام أو تخالفها.
ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال الأهم: ما الحقوق التي قررها الإسلام للمرأة؟ وكيف نفهم الأحكام التي تختلف فيها حقوق الرجال والنساء؟ ولماذا تستمر بعض صور التمييز في مجتمعات تستند إلى مرجعية دينية تؤكد كرامة الإنسان والعدل؟
أولًا: الكرامة الإنسانية أساس الحقوق
جاء الإسلام في بيئة عربية تعددت فيها أحوال النساء وحقوقهن باختلاف القبائل والطبقات والظروف الاجتماعية. ولم تكن المرأة قبل الإسلام محرومة من جميع الحقوق في كل المجتمعات، كما لم تكن تتمتع بمكانة واحدة ثابتة.
ومع ذلك، أحدث التشريع الإسلامي تحولًا مهمًا حين جعل للمرأة حقوقًا مقررة بنصوص شرعية، لا بمجرد الأعراف السائدة أو إرادة الأسرة.
فقد أكد القرآن الكريم وحدة الأصل الإنساني بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1].
كما قرر المساواة في أصل التكليف والثواب والجزاء، فقال سبحانه:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].
وهذه المساواة في القيمة الإنسانية لا تعني بالضرورة تماثل جميع الأحكام التفصيلية بين الجنسين؛ فالتشريع الإسلامي يقرر الاشتراك في الحقوق والواجبات في مواضع، ويفرق بين بعض الأحكام في مواضع أخرى.
والبحث العلمي المنصف لا ينكر هذا التفاوت، بل يدرسه لفهم أسسه وحدوده ومقاصده.
ثانيًا: الاستقلال المالي… حق أصيل لا منحة اجتماعية
من أبرز الحقوق التي قررها الفقه الإسلامي للمرأة استقلال ذمتها المالية، فلها أن تمتلك المال وتديره، وأن تبيع وتشتري وتهب وتوصي وتتعاقد وفق الضوابط الشرعية العامة.
وقد نص القرآن الكريم على حق النساء في الميراث بقوله تعالى:
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 7].
ولا يترتب على الزواج في الفقه الإسلامي اندماج الذمة المالية للزوجة في ذمة زوجها، كما لا يُعطي الزوجَ حقَّ التصرف في أموالها لمجرد قيام العلاقة الزوجية.
ولإدراك الأهمية التاريخية لهذا المبدأ، يمكن مقارنته بالتطور التشريعي في إنجلترا؛ حيث أتاح قانون سنة 1870 للمرأة المتزوجة الاحتفاظ بملكية كسبها في حدود معينة، ثم جاء قانون سنة 1882 ليوسع استقلالها في تملك الأموال والتصرف فيها والتعاقد بشأنها.
ولا تعني هذه المقارنة أن جميع النساء في أوروبا كن محرومات من الملكية قبل ذلك التاريخ، وإنما توضح اختلاف المسارات القانونية التي تطورت من خلالها حقوق المرأة في الحضارات والمجتمعات.
غير أن الإشكال في بعض المجتمعات المسلمة اليوم لا يكمن في غياب النصوص المقررة لملكية المرأة، بل في ممارسات تحرمها من ميراثها أو تضغط عليها للتنازل عنه.
وهنا تتجلى المفارقة: قد يكون الحق ثابتًا في التشريع، لكنه يظل معطلًا في الواقع.
ثالثًا: المرأة شريكة في المعرفة والحياة العامة
لم يحصر الإسلام طلب العلم في الرجال، بل شهد العصر النبوي حضورًا نسائيًا في التعلم والسؤال والمناقشة.
ومن الشواهد الواضحة ما رواه البخاري من أن النساء طلبن من النبي ﷺ أن يخصص لهن يومًا للتعليم، فاستجاب لطلبهن.
وقد برزت السيدة عائشة رضي الله عنها مرجعًا في الحديث والفقه، ورجع إلى علمها عدد من الصحابة والتابعين. كما عرفت الحضارة الإسلامية عالمات ومحدثات وفقيهات في عصور متعددة، منهن أم الدرداء الصغرى التي اشتهرت بالعلم والتدريس.
ولا تعني هذه النماذج أن الفرص التعليمية كانت متكافئة بين الرجال والنساء في جميع مراحل التاريخ الإسلامي، لكنها تنقض التصور الذي يجعل حضور المرأة العلمي أمرًا غريبًا عن التراث الإسلامي.
وفي المجال الاجتماعي، أفرد القرآن الكريم لبيعة النساء نصًا صريحًا في سورة الممتحنة، مما يدل على الاعتداد بمبايعتهن وإرادتهن الدينية والأخلاقية.
لكن من المهم أيضًا ألا نسقط المفاهيم السياسية الحديثة على تلك البيعة دون مراعاة اختلاف السياق التاريخي وطبيعة المؤسسات السياسية.
رابعًا: الميراث… هل تحصل المرأة دائمًا على نصف نصيب الرجل؟
تُعد قضية الميراث من أكثر المسائل إثارة للنقاش؛ لأنها تتعلق بنصوص قرآنية قطعية، وبفكرة العدالة في توزيع الثروة.
والقول الشائع إن المرأة ترث دائمًا نصف ما يرثه الرجل غير صحيح.
فقواعد المواريث الإسلامية تتوزع على حالات متعددة، تختلف فيها الأنصبة بحسب صلة القرابة، ووجود الورثة الآخرين، وموقع الوارث من المتوفى.
فقد يتساوى الرجل والمرأة في الميراث، كما في حالة الأب والأم إذا توفي ابنهما وترك ولدًا ذكرًا، إذ يكون لكل منهما السدس.
وقد ترث المرأة أكثر من رجل آخر في بعض المسائل، أو ترث بينما يُحجب وارث آخر.
وفي المقابل، توجد حالات صريحة يرث فيها الذكر ضعف الأنثى، ومنها اجتماع الابن والبنت في الإرث.
ولا يصح إنكار هذه الأحكام أو تصويرها على أنها استثناءات لا دلالة لها، كما لا يصح تعميمها على نظام الميراث كله.
وقد بيّن الفقهاء والمقاصديون أن من الحِكم المستنبطة لتفاوت بعض الأنصبة اختلاف الالتزامات المالية؛ إذ يتحمل الزوج في الأصل واجب المهر والنفقة الزوجية، في حين تحتفظ الزوجة بملكيتها المالية المستقلة.
غير أن هذه الحِكم التفسيرية لا تعني أن الأنصبة تتغير تلقائيًا كلما اختلف دخل الرجل والمرأة أو تغيرت ظروفهما الاقتصادية.
فالتمييز بين الحكم الشرعي الثابت، والحكمة التي يحاول العلماء تفسيره بها، ضرورة لفهم المسألة فهمًا صحيحًا.
ومن الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن التساؤل عن أثر تفاوت الأنصبة في الواقع الاقتصادي المعاصر تساؤل يستحق البحث الجاد، لا مجرد الاستنكار أو الاتهام.
خامسًا: القوامة بين المسؤولية والسلطة
وردت القوامة في قوله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34].
وقد تناول الفقهاء القوامة بوصفها تنظيمًا للعلاقة الزوجية يتضمن مسؤوليات الإنفاق والرعاية وتدبير شؤون الأسرة، مع أحكام تتعلق بالحقوق المتبادلة بين الزوجين.
ومن غير الدقة اختزال القوامة في مجرد الالتزام المالي، كما لا يصح تحويلها إلى سلطة مطلقة تبيح الإكراه أو الإهانة أو الاعتداء.
فالقوامة في البناء الفقهي التقليدي تتضمن قدرًا من سلطة تدبير شؤون الأسرة، لكنها ليست خارج حدود الشرع والحقوق الواجبة للزوجة.
وقد قرر القرآن مبدأ المعاشرة بالمعروف:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
كما أكد مبدأ التشاور والتراضي في الشؤون الأسرية، ومن ذلك قوله تعالى في شأن فطام الطفل:
﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: 233].
وهكذا، فإن القوامة لا يمكن فهمها بمعزل عن منظومة الواجبات والحقوق وحسن المعاشرة.
ويبقى من الأسئلة المهمة في الفقه المعاصر: كيف تُمارس هذه المسؤولية في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية، مع المحافظة على الأحكام الشرعية وصيانة كرامة الزوجين؟
سادسًا: شهادة المرأة… التمييز بين مجالات الإثبات
تستند مناقشات شهادة المرأة غالبًا إلى آية المداينة:
﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282].
وقد ورد النص في سياق توثيق الديون المؤجلة، لكن الفقهاء اختلفوا في حدود الاستدلال به وتطبيقاته القضائية.
ففي الفقه الإسلامي التقليدي، تتنوع أحكام الشهادة باختلاف موضوعها؛ فهناك أحكام خاصة بالمعاملات المالية، وأخرى بالحدود والقصاص، ومسائل تتعلق بأمور لا يطلع عليها الرجال عادة، كالولادة وبعض شؤون النساء.
وقد قبل الفقهاء شهادة النساء في مجالات معينة، مع اختلافهم في العدد المطلوب وشروط الإثبات، بينما قيّد جمهورهم قبول شهادتهن في بعض الأبواب القضائية الأخرى.
وهذا التنوع لا يصح تجاهله، كما لا يصح اختزال قيمة المرأة العقلية أو صدقها في قاعدة فقهية تتعلق بنصاب الشهادة في مجال معين.
ومن المهم كذلك التمييز بين شهادة التقاضي ورواية الحديث النبوي؛ فقد اعتمد علماء الحديث روايات النساء الثقات وفق معايير الضبط والعدالة، دون جعل الأنوثة بذاتها سببًا لرد الرواية.
لكن هذا الاختلاف بين المجالين لا يعني تلقائيًا تطابق أحكام الإثبات فيهما.
والقراءة الجادة لهذه المسألة تقتضي الرجوع إلى كتب الفقه وأصول القضاء، مع مناقشة اجتهادات العلماء المعاصرين دون إسقاط الخلافات المعتبرة من العرض.
سابعًا: بين النص الديني والواقع الاجتماعي
لعل من أكبر الإشكالات التي تواجه النقاش حول حقوق المرأة في الإسلام الخلط بين التشريع والممارسة.
فحين تُحرم امرأة من ميراثها، أو تُمنع من التعليم بلا مسوغ معتبر، أو يُستولى على راتبها، أو يُمارس عليها العنف باسم القوامة، فإن هذه الممارسات لا تصبح أحكامًا شرعية لمجرد وقوعها في مجتمع مسلم.
وفي الوقت نفسه، لا يكفي أن نؤكد عدالة النصوص حتى نثبت أن حقوق النساء محفوظة على أرض الواقع.
فالحقوق تحتاج إلى معرفة، وقضاء عادل، ومؤسسات قادرة على حمايتها، وثقافة اجتماعية تحترم الإنسان ولا تجعل قوته أو ضعفه سببًا للتمييز في كرامته.
ومن الإنصاف أن نفرق أيضًا بين انتقاد سلوك اجتماعي مخالف للشريعة، وبين مناقشة حكم فقهي ثابت أو اجتهادي؛ فلكل منهما أدواته العلمية، ولا يصح الرد عليهما بالطريقة نفسها.
خاتمة: إنصاف المرأة يبدأ بإنصاف الحقيقة
لا تحتاج مكانة المرأة في الإسلام إلى مبالغات تاريخية أو إلى إنكار الخلافات الفقهية حتى ندافع عنها.
ففي التراث الإسلامي نصوص واضحة في الكرامة الإنسانية، والاستقلال المالي، والحقوق الأسرية، ووجوب العدل وحسن المعاشرة. وفيه كذلك أحكام تفصيلية تختلف فيها بعض حقوق الرجال والنساء ومسؤولياتهم، وتستحق أن تُفهم في أطرها الشرعية والتاريخية.
أما التجربة التاريخية للمجتمعات المسلمة، فهي تجربة بشرية واسعة، شهدت نماذج مشرقة من مشاركة النساء في العلم والعمل والحياة العامة، كما شهدت ممارسات قيدت حقوقهن أو عطلتها.
والبحث المسؤول لا يحوّل الصورة المشرقة إلى أسطورة مثالية، ولا يجعل الممارسات السلبية حجة على كل ما جاء به الإسلام.
فتمكين المرأة لا يتحقق بالشعارات وحدها، ولا بالدفاع النظري عن حقوقها، وإنما بأن تجد هذه الحقوق طريقها إلى حياتها وتعليمها ومالها وأسرتها وكرامتها.
وحين تُصان حقوق المرأة، لا تكون الأسرة هي الخاسر، ولا الرجل هو المهزوم؛ بل يصبح العدل أساسًا لعلاقة أكثر استقرارًا وإنصافًا.
فالغاية ليست إقامة صراع بين الرجل والمرأة، وإنما بناء مجتمع يعرف فيه كل إنسان حقوقه وواجباته، وتُحفظ فيه الكرامة بالعدل لا بالقوة.
المصادر والمراجع
المصادر الشرعية والتراثية:
القرآن الكريم: سور النساء، والنحل، والبقرة، والممتحنة.
البخاري، محمد بن إسماعيل. الجامع الصحيح، كتاب العلم، باب تخصيص النساء بيوم للتعليم.
ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر، 1984.
الذهبي، شمس الدين. سير أعلام النبلاء، ترجمة أم الدرداء الصغرى.
الدراسات المعاصرة:
أبو شقة، عبد الحليم. تحرير المرأة في عصر الرسالة. دار القلم.
الغزالي، محمد. قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة. دار الشروق.
Shanley, Mary Lyndon. Feminism, Marriage, and the Law in Victorian England, 1850–1895. Princeton University Press, 1989.
مراجع فقهية وقانونية مساندة:
دار الإفتاء المصرية: الرد على دعوى عدم المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، ومعنى قوامة الرجال على النساء، ونظام الملكية بين الزوجين.
البرلمان البريطاني: Marriage: Property and Children، والنص التشريعي لقانون Married Women's Property Act 1882.
