
مقال 5 دقائق للقراءة
السجن الذي لا تُرى قضبانه
أخطر سجن هو أن يرث الإنسان أفكاره دون أن يختبرها
ليس كل سجنٍ بابُه من حديد، ولا كل قيدٍ تُحدث حلقاته رنينًا في المعاصم. فمن السجون ما شُيِّد بالحجارة، فتراه العيون، وتستبين حدوده الأبصار، ومنها ما بُني من فكرةٍ استوطنت العقل، فإذا صاحبها يطوف في الأرض كما يطوف الحر، وما هو إلا أسيرٌ لا يعرف من أسره إلا أنه يسميه يقينًا.
وليس أعجب في هذه الدنيا من إنسانٍ يُحسن الدفاع عن رأيٍ لم يتعب يومًا في الوصول إليه، ويُحسن الغضب لفكرةٍ لم يجلس معها ساعةً واحدة يحاكمها، ويُحسن الخصومة في سبيل مبدأٍ لم يلد من عقله، وإنما وُلد في عقل غيره ثم انتقل إليه كما تنتقل الأسماء والألقاب والملامح. فيحسب ما ورثه اختيارًا، وما أُلقي إليه اكتشافًا، وما لقنه الناس إلهامًا، وهو في ذلك كله كالصدى؛ يملأ الوادي صوتًا، وليس فيه من الصوت شيء.
إن الطفل لا يختار لغته، ولا وطنه، ولا اسمه، ولا أبويه، وهذا من حكمة الله في خلقه؛ ولكن العجيب أن يكبر، ثم يظل لا يختار حتى عقله. فإذا لُقِّن فكرةً حملها كما يحمل الجندي سلاحًا لم يصنعه، وربما مات وهو يدافع عنها، ولو سُئل: كيف بلغت إليها؟ لعجز عن أن يدل على أول الطريق.
ولقد رأيت الناس يختلفون كثيرًا، ولكنني ما رأيت أكثر اختلافهم اختلافًا بين العقول، وإنما هو اختلاف بين الموروثات. فهذا يتكلم بلسان بيئته، وذاك ينطق بذاكرة قبيلته، وثالث يعيد على مسامعك ما اختزنته أذناه منذ الصغر، حتى إذا ظننت أنك تحاور رجلًا، وجدت أنك تحاور تاريخًا طويلًا من الأصوات التي استقرت فيه حتى حسبها صوته.
وهل العقل إلا نعمةٌ أُعطيت للإنسان ليزن بها ما يرد عليه؟ فما بال أقوامٍ يجعلونه مخزنًا للحفظ، لا ميزانًا للتمييز؟ إن الكتاب لا يقرأ نفسه، والسيف لا يضرب نفسه، وكذلك العقل لا يكون عقلًا حتى يعمل. فإذا عطل الإنسان فكره، فقد أبقى من عقله صورته، وأضاع حقيقته.
وليس الموروث مذمومًا لأنه موروث، فإن في تراث الأمم حكمًا لو جُمعت لأغنت الإنسانية عن كثيرٍ من عثراتها، وفي دين الله من الهدى ما تستقيم به الأرواح والعقول. ولكن المذموم أن يتحول الموروث إلى نهايةٍ لا بداية، وإلى جدارٍ يمنع السؤال بدل أن يكون نافذةً على الحقيقة. فما نفع فكرةٍ تخشى الامتحان؟ وما قيمة يقينٍ يرتجف من سؤال؟
إن الحق لا يخاف العقل؛ لأنه أقوى منه. وإنما الذي يخاف العقل هو الباطل؛ لأنه يعلم أن أول شعاعٍ من التفكير الصادق كفيل بأن يبدد ظلمته. ولذلك كان السؤال الشريف عبادةً من أجلِّ العبادات، لأنه ليس تمردًا على الحقيقة، بل طلبٌ لها. وما أفسد الأمم إلا يوم جعلت السؤال تهمة، والتفكير جريمة، والتقليد فضيلة، حتى صار الرجل يقيس صدق الرأي بعدد القائلين به، لا بقوة البرهان عليه.
كم من فكرةٍ عاشت قرونًا لأنها وُلدت في بيتٍ عظيم، لا لأنها عظيمة! وكم من حقيقةٍ بقيت غريبة لأنها خرجت من فم رجلٍ مجهول! فالناس كثيرًا ما يوقرون الأسماء قبل أن يوقروا المعاني، ويعبدون الشهرة قبل أن يعبدوا الحقيقة، حتى يغدو البرهان تابعًا للقائل، مع أن القائل ينبغي أن يكون تابعًا للبرهان.
ومن أشد ما يُبتلى به الإنسان أن يأنس بقيوده، فإن القيد إذا طال مكثه في المعصم، حسبه صاحبه جزءًا من يده. وكذلك الفكرة إذا طال مقامها في العقل، ولم يزرها الشك ساعةً واحدة، ظنها العقل من طبيعته، وهي قد تكون دخيلةً عليه. وهنا يبلغ الأسر غايته؛ إذ لا يعود السجين يطلب الخروج، لأنه لم يعد يشعر أنه في سجن.
وليس المقصود من التفكير أن يهدم الإنسان كل ما ورثه؛ فإن الهدم أيسر الأعمال، وإنما المقصود أن يعرف قيمة ما يحمل. فقد يختبر الفكرة، فتزداد في قلبه رسوخًا، لأنه آمن بها بعد بصيرة، لا بعد عادة. والفرق بين الإيمان الموروث والإيمان المختار كالفرق بين من ورث كنزًا، ومن استخرجه بعرق جبينه؛ فكلاهما يملك، ولكن أحدهما يعرف قيمة ما يملك، والآخر لا يدري إلا أنه وجده بين يديه.
إن الأمم العظيمة لم تنهض لأنها أنكرت آباءها، ولا لأنها عبدتهم، وإنما نهضت لأنها أخذت منهم ما أثبته العقل، وأضافت إليه ما كشفه العقل، فكان الماضي عندها جذورًا، لا أغلالًا؛ وكان التاريخ معلمًا، لا سجانًا.
وما أشقى الإنسان حين يخاف من مراجعة نفسه! فإنه يراجع حسابه في المال، ويعيد النظر في تجارته، ويصلح خطأه في صناعته، ثم لا يجرؤ أن يراجع فكرةً عاش بها عمرًا كاملًا. كأن الأفكار وحدها معصومة من الخطأ، أو كأن الاعتراف بالخطأ فيها ينقص من قدره، مع أن الشجاعة ليست في ألا تخطئ، بل في أن تملك من الصدق ما يجعلك تعود إلى الحق إذا تبين لك.
إن الحرية ليست أن يقول الإنسان ما يشاء، بل أن يستطيع أن يفكر فيما يشاء دون أن يخشى سلطان العادة، أو هيبة الجماعة، أو سطوة الاسم. فكم من لسانٍ يتكلم بحرية، وعقل صاحبه مكبل بألف قيد! وكم من رجلٍ ظنه الناس متمردًا، وما كان إلا باحثًا عن الحقيقة، لا يرضى أن يطمئن حتى يطمئن إليه برهانه.
وهكذا يبقى أخطر سجنٍ عرفته الإنسانية هو ذلك الذي لا تُرى قضبانه، ولا تُغلق أبوابه، ولا يقف على حراسته جندي. سجنٌ يدخل إليه الإنسان طفلًا، وقد يخرج منه شيخًا دون أن يدري أنه كان فيه يومًا. يحمل مفاتيحه في عقله، ولكنه لا يستعملها، لأن أحدًا أقنعه أن الباب غير موجود.
فطوبى لمن جعل من عقله محكمةً لا معبدًا للأفكار، ومن ضميره قاضيًا لا شاهد زور، ومن الحقيقة غايته وإن خالفته الدنيا بأسرها. فإن الإنسان يولد مرتين: مرةً من رحم أمه، ومرةً من رحم فكره. والولادة الثانية هي التي تستحق أن تُسمى حياة.
بقلم: أُمَامَة بَتوُلْ🪶✨
