القطار الأخير
على رصيف المحطة في انتظار القطار، الساعة تشير إلى السادسة و عشرون دقيقة مساء، العشرات من الموظفين المتذمرين، والعمال الكادحين، والطلبة المرهقين، و المتسولين والنشالين، والمتحرشين، واقفين وجالسين، ينظرون جميعا لأفق السكة يترقبون القطار. إنه قطار العودة، بعد عناء يوم طويل، إنه قطار وحيد، وأخير..كلهم فقراء، لا تتحمل ميزانيتهم اليومية أجرة تاكسي، كلهم مستعدون.
في هذا المشهد تتحطم جميع الصور النمطية التي ينمقها الناس عن ذواتهم ويحرصون على إظهارها لغيرهم..في هذه المواقف تسقط جميع الأقنعة، وتظهر جميع الأنياب.
هنا تجد الفتاة الرقيقة، الناعمة، الخجولة، الحساسة، التي لا تكاد تسمع صوتها عندما تتحدث، تثب على البوابة كنمر ضار ينقض على فريسة..
وترى الفتاة الأنيقة، ببدلتها العصرية، واظافرها المنحوتة بعناية، وحقيبة يدها الصغيرة، وشعرها الإنسيابي، وهي تمشي فوق الناس، وتقفز فوق الرؤوس، وتحطم جميع الحواجز للحصول على مكان ..
رأيت مرة شيخا متسولا كان يزعم أنه لا يرى، يقفز إلى داخل العربة من النافذة بلياقة بدنية لا أدعي أني أملكها، وكنت أرى عجائزا تدعين الإصابة بجميع الأمراض، وهن يثبن أمتارا ويحطمن أرقاما، ويهزمن شبابا في سبيل مكان في قطار العودة ..
كان يحدثني مرة على رصيف الإنتظار، رجل يبدو من هيئته أنه يخبرنا بأنه مثقف، قبعة كلاسيكية، وشال أحمر يلف رقبته، وجريدة عفا عنها الزمن في يمينه، وسيجارة في شماله..حدثني نصف ساعة عن افتقارنا كشعب لثقافة النظام، وضرب لي أمثلة كثيرة عن الشعوب المتقدمة والمتفوقة والمتعلمة الخ من كلام فارغ..وعندما جاء القطار رأيته يدوس على الناس ويقفز فوق الأكتاف..وبعد أن نجحنا في حجز مكان، ظل طوال الطريق يحدثني عن ثقافة النظام ..
أنا لست مختلفا، أنا أيضا أحارب من أجل مكان، لكني لا أستخدم القوة بل الذكاء، هناك دائما فرصة للتسلل بين الحشود، لذلك وضعت خطة نجحت معي في كثير من الأحيان..كنت ببساطة عندما يشتد الصراع، انسحب وآخذ تاكسي، ثم أكيف ميزانيتي لتتحمل هذه الخسارة.
#أدب #مجتمع_عام @المتابعون
50 مشاهدة