هنا تعز
تعز.. الروح الكلية للنفس الأبية حين تحل في الطين، فتجعله حجراً لا يُدَقّ، وتصوغ منه عزيمة لا تُقهر. إن الهوية ليست أن تُقاد بزمام القهر، ولا أن تسجد لوهم السلالة والنسب
هي تلك الشرارة الإلهية التي تُغرس في الفطرة، فتجعل الحر يأبى أن يتعبد لمخلوق مثله، ولو طُوِّق بالسلاسل، ولو سُدَّت في وجهه منافذ الأرض والسماء.
إن هؤلاء القادمين من ظلمات الأوهام، المنحدرين تحت رايات العصبيات المقيتة، ظنوا أن الحصار سور من حجارة يمنع عن الشفاه قطرة الماء ورغيف الخبز؛ وما علموا أن العزة ليست خبزاً يُؤكل ولا ماءً يُشرب، بل هي مادة روحية يُنفخ بها في القلب فيصير بطلاً، وفي المدينة فتصير قلعة.
تأمل أطراف الجبال كيف تلاشت على سفوحها أوهامهم، وكيف غصت التباب بأولئك الذين خُدعوا بدعاوى الباطل. جاءوا لينشروا العبودية تحت زعم الحق الإلهي، فيرتدون جثثاً هامدة على أسوار المدينة، أو أسرى يذوقون طعم الهوان الذي أرادوا سوق الناس إليه. جاءوا ليكسروا الكرامة فكسرت الكرامة جماجمهم، وجاءوا ليستعبدوا الأحرار فصاروا أسرى في قبضة الرجال.
أي سخرية هناك أشد بشاعة من هذه؟ ظالم جاء وهو يملك القوة والعتاد والوهم الممتد فغدا صريعاً أو مغلولاً، ومحاصرٌ لا يملك في بيته ما يقيم صلبه، ولكنه يملك في صدره يقيناً يهزم جيوشاً، وشهامة ترد الكيد في نحور الكائدين. إن الدم الذي أُريق على ثرى هذه الأرض لم يكن جماداً، بل كان فرقاناً بين الحق حين يتجلى عارياً من السلاح إلا كرامته، وبين الباطل حين يحيط بالنار والحديد وهو أضعف من بيت العنكبوت.
ويا من جئتم بالصدى لتخنقوا الصوت، إن الصوت خالد والصدى إلى زوال...!
تعز هي عاطفة الحرية حين تتجسد في وطن والجوع إذا نزل بالأحرار لم يزدهم إلا حدة في المضارب وصفاء في العزائم
سيمضي هؤلاء الغزاة كما مضى كل غاشم، وستبقى الحجارة المضمخة بدماء الصادقين تحكي للأجيال أن هنا صُمِد للكاهن حتى خر صريعاً، وهنا جاع الحر فما طأطأ الرأس ولا باع القضية، وهنا انتصرت الروح على الركام، وأثبت الإنسان أن القلعة الحقيقية هي الإيمان الذي لا يُقهر..
@المتابعون
المجد لتعز

5