
مقال 9 دقائق للقراءة
فاقد الشيء لا يعطيه، أم أن المفتقد هو أحقّ الناس بمنحه؟
«ما لم نجده، وهبناه»
من أشدّ ما يُظلم به الإنسان أن يُدان بما حُرم منه، وأن يُجعل افتقاره إلى شيءٍ دليلًا على عجزه عن منحه؛ كأنّ الحياة، حين تبخل على المرء بنعمةٍ من نعمها، تنتزع منه معها القدرة على أن يكون مصدرها لغيره. وما أظنّ هذه الفكرة إلا واحدةً من تلك الأحكام التي اصطلح الناس عليها حتى أعفوا عقولهم من عناء النظر فيها، فصاروا يردّدونها كلّما رأوا إنسانًا يفتقد شيئًا، دون أن يسألوا أنفسهم: أليس من الممكن أن يكون هذا الافتقاد بعينه هو ما جعله أقدر الناس على إدراك قيمة ما يفتقده؟
إنّ الذين يقولون: «فاقد الشيء لا يعطيه» ينظرون إلى الإنسان من جهة ما يملك، ويغفلون عمّا يعرف؛ والفرق بين الأمرين بعيدٌ كبُعد من يقيس البحر بما يراه من سطحه، عمّن يغوص فيه فيدرك ما تنطوي عليه أعماقه. فالمرء قد يجهل قيمة الشيء وهو في يده، وقد لا يعرف من أمره شيئًا إلا حين يفقده؛ ولربّ نعمةٍ لم يلتفت إليها صاحبها حتى زالت، ولربّ قلبٍ لم يعرف معنى الأمان إلا بعدما استحال عليه أن يجده، ولربّ روحٍ لم تدرك فداحة الوحدة إلا حين انفضّ عنها الناس، وتركوها تواجه صمتها بغير أنيس.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا تمنحنا العبارة المأثورة فرصةً لطرحه: أيكون من عرف الشيء أقدر على منحه، أم من عرف مقدار الألم الذي يخلّفه غيابه؟
لعلّنا نخطئ حين نظنّ أنّ العطاء لا يصدر إلا عن وفرة، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يمنح إلا ما اختبره في حياته من قبل؛ إذ لو صحّ ذلك لكان كلّ محرومٍ عاجزًا عن الإحسان، ولكان كلّ يتيمٍ عاجزًا عن الأبوة الحانية، ولكان كلّ من عاش عمره غريبًا عن المودّة عاجزًا عن أن يكون مأوى لقلبٍ متعب. ولكنّ الحياة، على ما فيها من قسوة، تعرض علينا من الشواهد ما يجعل هذا الحكم أضيق من أن يتّسع لتعقيد النفس البشرية؛ فنرى من الناس من لم يتلقّ كلمةً طيّبة في صباه، فإذا كبر صار ينتقي كلماته كما ينتقي المرء الدواء لجريح، ونرى من لم يجد في أوقات محنته يدًا تمتدّ إليه، فإذا رأى متعثرًا سبق إليه قبل أن يستغيث، كأنّ في ذاكرته صوتًا قديمًا لا يزال يستصرخ النجدة.
وما ذلك بعجيب؛ فإنّ النفس قد تتعلّم من الحرمان ما لا تتعلّمه من الامتلاك، لا لأنّ الألم معلّمٌ حكيم في كلّ حال، بل لأنّ بعض النفوس تُحسن الإصغاء إلى دروسه. فالذي عاش عمره يُساء فهمه قد ينشأ وفي نفسه حساسيةٌ مرهفة تجاه ما يختبئ وراء كلمات الآخرين، والذي طال انتظاره لمن يسأل عنه قد يغدو أكثر الناس انتباهًا إلى الغائبين، والذي اعتاد أن يُهوّن الناس من أحزانه قد يكون أول من يأخذ حزن غيره على محمل الجدّ. إنّه لا يفعل ذلك لأنّه يملك فائضًا من السعادة، بل لأنّه يعرف، من ذاكرة الوجع، أنّ بعض الحاجات لا يراها الناس، وأنّ بعض الآلام لا تصرخ، وأنّ أشدّ ما يحتاج إليه المرء أحيانًا هو ألّا يُضطرّ إلى شرح سبب انكساره كي يستحقّ المواساة.
ولعلّ في هذه الحقيقة ما يفسّر كيف يستطيع الإنسان أن يمنح غيره ما لم ينله من الحياة؛ فهو لا يستخرج عطاءه من ماضٍ حافلٍ بالنعمة، بل من وعيٍ تشكّل في ماضٍ حافلٍ بالافتقاد. لقد صار يعرف مواضع الألم، لا لأنّ أحدًا أرشده إليها، بل لأنّه تعثّر بها بنفسه؛ وصار يعرف ما الذي كان يمكن أن يخفّف عنه، لا لأنّه وجده، بل لأنّه ظلّ طويلًا يتمنّاه.
فكم من إنسانٍ لم يجد في طفولته قلبًا يأوي إليه، ثمّ قضى عمره يصنع للآخرين من قلبه مأوى؛ وكم من روحٍ نشأت على شحّ الحنان، ثمّ أنفقت من حنانها ما لو وُزّع على أيامها الأولى لربّما غيّر وجه حياتها.
غير أنّ الأمر لا يقف عند هذا الحدّ؛ إذ ثمّة سؤالٌ آخر أشدّ إلحاحًا: لماذا يمنح بعض المحرومين الآخرين ما افتقدوه، بينما يمنح بعضهم الآخر حرمانهم امتدادًا في حياة من حولهم؟
إنّ الحرمان، في ذاته، ليس فضيلة، كما أنّ الألم ليس شهادةً على النبل، وليس كلّ من ذاق القسوة تعلّم الرحمة. فقد يخرج الإنسان من محنته وفي قلبه رغبةٌ في ألّا يتألّم أحدٌ كما تألّم، وقد يخرج منها وفي قلبه رغبةٌ في أن يتألّم الجميع كما تألّم؛ وقد يرى في جرحه سببًا لأن يكون أرفق بالناس، وقد يتّخذه حجّةً يبيح بها لنفسه أن يكون أشدّهم قسوة. وهنا لا يكون الفارق في مقدار ما فقده كلّ منهما، بل في المعنى الذي منحاه لما فقداه.
فمن الناس من يجعل من مأساته ميراثًا يورّثه، ومنهم من يجعلها عهدًا يقطعه على نفسه ألّا يورّثها. الأوّل يخرج من الألم مؤمنًا بأنّ الحياة لا تُؤخذ إلا بالقسوة، فيعامل الآخرين كما عومل، كأنّه ينتقم من ماضيه في حاضرهم؛ والثاني يخرج منه مؤمنًا بأنّ ما وقع عليه لا ينبغي أن يتحوّل إلى قانونٍ يسري على سواه، فيكسر السلسلة عنده، ويمنع الأذى من أن يجد طريقه إلى جيلٍ آخر، أو قلبٍ آخر، أو علاقةٍ كان يمكن أن تكون جميلة لولا أنّ أحدهم قرّر أن يعيد فيها تمثيل مأساته القديمة.
وما أعظم هذا الانتصار الخفيّ! أن يملك الإنسان من الوعي ما يجعله يفصل بين ما حدث له وما يحقّ له أن يفعله بالآخرين؛ أن يعرف أنّه لم يختر جراحه، لكنّه يستطيع ألّا يجعلها سلاحًا، وأنّه لم يكن مسؤولًا عن القسوة التي تلقّاها، لكنّه ليس مضطرًّا إلى أن يصير نسخةً أخرى منها. إنّ في مقدرة المرء على ألّا يُشبه ما آلمه شرفًا قد يفوق شرف النجاة منه؛ لأنّ النجاة قد تقع مصادفةً، أمّا ألّا يتحوّل الألم إلى أذى جديد، فتلك تربيةٌ للنفس، ومجاهدةٌ لها، وانتصارٌ على ميلٍ بشريّ يسهل الاستسلام إليه.
ولذلك، فليس المفتقد أحقّ بالعطاء لمجرّد أنّه افتقد، وليس الممتلئ عاجزًا عن المنح لمجرّد أنّه لم يعرف الحرمان؛ ولكنّ المفتقد قد يحمل من معرفة الغياب ما يجعل عطاءه أعمق وعيًا، وأشدّ التصاقًا بحاجات الناس الخفيّة. إنّه يعرف أنّ الكلمة التي يراها قائلها عابرة قد تظلّ في ذاكرة سامعها أعوامًا، وأنّ الإهمال الذي لا ينتبه إليه صاحبه قد يترك في نفس غيره أثرًا لا تمحوه اعتذارات كثيرة، وأنّ الحضور في اللحظة التي يظنّ فيها المرء أنّه منسيّ قد يكون أثمن من هدايا كثيرة تأتي في أوقات الرخاء.
إنّه، بعبارةٍ أخرى، لا يمنح الشيء فحسب، بل يمنح معه فهمًا لمعناه؛ لا يقدّم الحنان بوصفه عادةً مألوفة، بل بوصفه حاجةً إنسانيةً لا ينبغي الاستهانة بها؛ ولا يواسي لأنّ المواساة سهلةٌ عليه، بل لأنّه يعرف كم يكون الصمت ثقيلًا حين لا يجد الحزين من يشاركه إيّاه.
وهل نحتاج حقًّا إلى أن نمتلك كلّ ما نريد أن نمنحه؟ أليس في ذلك اشتراطٌ مستحيل، لو أخذنا به لما استطاع أحدٌ أن يكون رحيمًا إلا إذا نجا من كلّ وجع، ولا عادلًا إلا إذا لم يُظلم قطّ، ولا وفيًّا إلا إذا لم يعرف الخذلان، ولا كريمًا إلا إذا لم يعرف الحاجة؟ إنّنا بهذا المنطق لا نكتفي بأن نحرم الإنسان من النعمة، بل نحكم عليه بالعجز عن أن يكون سببًا فيها لغيره؛ ونحوّل ما افتقده من نقصٍ في تجربته إلى نقصٍ في إنسانيّته، مع أنّ التجربة الناقصة لا تعني بالضرورة روحًا ناقصة، وأنّ من لم يعش الخير قد يختار أن يفعله، كما أنّ من عاشه قد يختار ألّا يفعله.
ولعلّ أجمل ما يستطيع الإنسان أن يفعله تجاه ماضيه ليس أن ينكره، ولا أن يقضي عمره يطالبه بتعويضٍ عمّا فاته، بل أن ينتزع منه معنى لا يستطيع الماضي أن يسلبه منه بعد ذلك. أن يقول، ولو في سرّه: لقد عرفتُ كيف يكون الغياب، ولذلك سأحاول ألّا أكون غيابًا في حياة من يحتاج إليّ؛ وعرفتُ كيف تؤلم القسوة، ولذلك لن أجعلها اللغة التي أخاطب بها العالم؛ وانتظرتُ طويلًا كلمةً لم تأتِ، ولذلك سأقولها حين أجد من يحتاج إلى سماعها.
ليس في ذلك ادّعاءٌ بأنّ المرء قد شُفي من كلّ ما يؤلمه، ولا أنّه صار قادرًا على منح الآخرين ما لا يزال يعجز عن منحه لنفسه؛ فالإنسان قد يكون رحيمًا بغيره وهو أشدّ الناس حاجةً إلى الرحمة، وقد يواسي غيره بكلماتٍ يتمنّى لو أنّ أحدًا قالها له، وقد يدلّ الآخرين على طريق الطمأنينة فيما لا يزال يبحث لنفسه عن أول الطريق. وهذه ليست مفارقةً تُنقص من صدق عطائه، بل هي دليلٌ على أنّ العطاء لا يشترط اكتمال الإنسان، وأنّنا نستطيع أحيانًا أن نمنح الخير ونحن لا نزال نتعلّم كيف نعيش في غيابه.
وهكذا، فإنّ العبارة التي حكمت على الفاقد بالعجز قد تكون قد أغفلت جانبًا من أعمق جوانب النفس البشرية: قدرتها على أن تجعل من افتقادها معرفة، ومن معرفتها رحمة، ومن رحمتها فعلًا يخفّف عن الآخرين ما لم تستطع الحياة أن تخفّفه عنها. لا لأنّ الحرمان يصنع العظماء حتمًا، ولا لأنّ كلّ جرحٍ ينبت وردة، بل لأنّ الإنسان ليس مجرّد حاصل جمع تجاربه؛ إنّه أيضًا موقفه منها، وما يختار أن يصنعه بما تركته فيه.
فإذا كان فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف نفسّر أولئك الذين لم يجدوا من يُنصت إلى أحلامهم، ثمّ صاروا آذانًا صاغيةً لأحلام غيرهم؟ وكيف نفسّر من لم يجدوا من يطمئن قلوبهم، ثمّ صاروا أكثر الناس حرصًا على ألّا يبيت أحدٌ في جوارهم مثقلًا بالخوف؟ وكيف نفسّر من حُرموا الإنصاف، ثمّ جعلوا من العدل مبدأً لا يتخلّون عنه، حتى حين يكون الانحياز إلى أنفسهم أيسر وأقرب؟
لعلّنا لم نخطئ في القول إنّ فاقد الشيء قد يعجز عن إعطائه في بعض الأحوال، ولكنّنا أخطأنا حين جعلنا العجز قدرًا، والافتقاد حكمًا نهائيًّا، وحين نسينا أنّ في الإنسان قدرةً على أن يتجاوز ما تلقّاه، وأن يختار ما لم يتعلّمه، وأن يمنح ما لم يُمنح.
فليس كلّ ما لم نجده قد ضاع منّا إلى الأبد؛ بعضه يبقى في أرواحنا سؤالًا، ثمّ نصير نحن الإجابة عنه في حياة الآخرين.
ولعلّ الإنسان، في أرفع صوره، ليس ذاك الذي لم يعرف الحرمان قطّ، بل ذاك الذي عرفه، وأدرك قسوته، ثمّ رفض أن يجعله قدرًا لغيره؛ ذاك الذي لم يجد في طفولته ما يكفيه من النور، فلم يقضِ عمره يلعن العتمة، بل تعلّم، على مهلٍ وبكثيرٍ من الألم، كيف يحمل مصباحًا.
فما افتقدناه قد لا يعود إلينا، وما فاتنا قد لا تعوّضه الأيام، ولكنّنا نستطيع، رغم ذلك، ألّا نجعل العالم نسخةً من خساراتنا؛ نستطيع أن نمنح لأنّنا عرفنا قيمة ما نمنح، وأن نرفق لأنّنا خبرنا ما تفعله القسوة، وأن نكون للآخرين ما تمنّينا يومًا أن يكونه أحدٌ لنا.
وربّما لم يكن السؤال يومًا: هل يستطيع فاقد الشيء أن يعطيه؟ بل: ماذا فعل الإنسان بما افتقده؛ أدفنه في قلبه حتى مات فيه، أم استخرجه منه نورًا اهتدى به الآخرون؟
بقلم: أُمَامَة بَتُولْ🪶✨
