
مقال 6 دقائق للقراءة
🌿 سِيمَاءُ الصَّدَاقَةِ وَعُنْفُوَانُ الوَفَاءِ
لا يُدْرِكُ المرءُ القيمةَ الحقيقيةَ والعميقةَ للمحيطِ المناسبِ إلا حينَ يَتْعَبُ تماماً من كثرةِ شرحِ نفسِهِ للغرباءِ، ومن إرهاقِ التبريرِ المستمرِّ لكلِّ كلمةٍ أو تصرفٍ أو إشارةٍ عابرةٍ. فالأمرُ في حقیقتِهِ يتجاوزُ حدودَ الرفقةِ العابرةِ أو التواجدِ الشكليِّ، ليكونَ رحلةَ بحثٍ مضنيةٍ عن مأوى روحيٍّ آمنٍ لا تضطرُّ فيهِ إطلاقاً لتقديمِ أيِّ اعتذارٍ عن طبيعتِكَ، ولا عن نواياكَ الصادقةِ، ولا عن عفويتكَ التي يراها الآخرونَ خطأً يُحَاسَبُ عليهِ. في هذا العالمِ المتسارعِ الذي يعجُّ بينَ أركانِهِ بسوءِ فهمٍ والتباسِ المقاصدِ، يصبحُ وجودُ إنسانٍ واحدٍ يقرأُ أفكارَكَ دونَ جهدٍ، ويفهمُ صمتَكَ قبلَ كلامِكَ، هو الترياقَ الأقوى والوحيدَ لقلقِكَ، والدافعَ الحقيقيَّ الذي ينهي كلَّ حيرتِكَ وترددِكَ الدائمِ، ويعيدُ إلى روحِكَ توازنَها المفقودَ.
معكَ يا صديقي، تتنفسُ الروحُ براحةٍ تامةٍ وعميقةٍ؛ فلستُ بحاجةٍ إطلاقاً للوقوفِ طويلاً في وضعيةِ الدفاعِ عن أعمالي أو نوايايَ، أو تفسيرِ حسناتي كأنها جراحٌ مكشوفةٌ. هنا، وفي هذا المساقِ الرحبِ، تضعُ روحي أوزارَها الثقيلةَ التي حملتْها في طرقاتِ الحياةِ، وأخلعُ عن قلبي عناءَ البحثِ عن كلماتٍ مقنعةٍ أو عباراتٍ منمقةٍ أداري بها صدقي، لأستقرَّ أخيراً في طمأنينةٍ غامرةٍ لا يزعزعُها شكٌ. لقد علمتني الأيامُ بمرارتِها وتجاربِها أن الأمانَ الحقيقيَّ لا يكمنُ بينَ زخارفِ الحياةِ ولا في وفرةِ الأشياءِ حولَنا، بل في وجودِكَ الدافئِ بجانبي داخلَ مكانٍ تُحْتَرَمُ فيهِ المشاعرُ بصدقٍ قبلَ الكلماتِ، وتُقَدَّرُ فيهِ النوايا الخالصةُ قبلَ أن تُحَاكَمَ نتائجُ الأفعالِ الظاهرةِ. إن التعبَ الحقيقيَّ الذي يرهقُ الإنسانَ ليسَ عناءَ الجسدِ ولا مشقةَ السعيِّ، بل هو ثقلُ الأقنعةِ التي يُجْبَرُ على ارتدائِها كلَّ صباحٍ ليواجهَ عالماً لا يرحمُ العفويةَ والنقاءَ.
حينَ تكونُ في محيطٍ لا يشبهُكَ، تصيرُ كلُّ جملةٍ تقولُها مشروعَ حربٍ أو سوءَ تقديرٍ، وتغدو كلُّ نظرةٍ صادقةٍ محلَّ اتهامٍ وظنٍ سيءٍ. لكن المعجزةَ تتجلى حينَ تعثرُ على صديقٍ يرى نقاءَكَ رغمَ التلوثِ، ويقرأُ صفاءَ سريرتِكَ دونَ حاجةٍ لأدلةٍ أو براهينَ. هذا القربُ هو الراحةُ التي بحثنا عنها طويلاً، وهو الميناءُ الذي ترسو عندَهُ سفنُ الروحِ بعدَ عواصفِ الغربةِ والشُتَاتِ. كم هو شاقٌ أن تعيشَ بينَ أناسٍ يزنونَ كلماتِكَ بموازينِ الظنِّ، ويفحصونَ نواياكَ بمجاهرِ الشكِّ. في كلِّ يومٍ تجدُ نفسَكَ مكسوراً أمامَ سوءِ فهمٍ جديدٍ، كأنكَ لغةٌ غريبةٌ لم يتعلمْها أحدٌ، أو قصيدةٌ غامضةٌ لا يقرؤُها إلا من يريدُ نقدَها والبحثَ عن زلاتِها. في تلكَ اللحظاتِ، يشعرُ المرءُ كأنَهُ يسيرُ في حقلٍ من الألغامِ، كلُّ خطوةٍ فيهِ قد تفجرُ غضباً أو صمتاً أقسى من العتابِ. لكن الصداقةَ الحقيقيةَ تأتي لتمحو هذا الخوفَ بلمسةٍ واحدةٍ، لتقولَ لكَ دونَ كلامٍ:
"أنا أعرفُ من أنتَ، فلا تبتهلْ لأحدٍ كي يفهمَكَ".
إن البحثَ عن المكانِ المناسبِ ليسَ رفاهيةً زائدةً، بل هو ضرورةٌ للبقاءِ على قيدِ الإنسانيةِ والهدوءِ الداخليِّ. أن تكونَ بينَ من يشبهونَ نبضَكَ يعني أن تستردَّ حقَّكَ في الحياةِ دونَ خوفٍ، وأن تعودَ إلى براءتِكَ الأولى التي سلبتْها منكَ قسوةُ التجاربِ. الصديقُ الصادقُ هو الجسرُ الذي نعبرُ عليهِ من زحمةِ الترددِ إلى برِّ الأمانِ، وهو المرآةُ الصافيةُ التي تعيدُ إلينا صورتَنا النقيةَ حينَ يشوهُها زهدُ الآخرينَ بنا أو سوءُ نظرِهم. لقد أيقنتُ تماماً أن موضعَ الإنسانِ الحقَّ ليسَ في المكانِ العابرِ الذي يراهُ فيهِ الناسُ، أو يحكمونَ عليهِ من خلالِهِ، بل في القلبِ الصادقِ الذي يدركُ حقيقتَهُ بوضوحٍ تامٍّ، ويتمسكُ بهِ بثباتٍ لا يتزعزعُ، حتى في أقسى اللحظاتِ التي يجانبُ فيها الصوابَ فهمُ العالمِ أجمعَ وتصرفاتُهُ بصدقٍ وعمقٍ. فالصداقةُ الحقةُ ليستْ عقداً يُوَقَّعُ في شمسِ الرخاءِ، بل هي عهْدٌ رُوحِيٌّ يشتعلُ دفئاً في ظلامِ المحنِ وشدةِ العواصفِ.
حينَ يتجهمُ العالمُ في وجهِكَ، وتضيقُ بكَ المسافاتُ، تبقى تلكَ المساحةُ الصغيرةُ معَ من يحبُّكَ كما أنتَ هي العالمَ الأكبرَ والأوسعَ. هناكَ لا حاجةَ للكلامِ المسطرِ، ولا للترتيبِ المسبقِ للأفكارِ والعباراتِ؛ فالقلوبُ تتحادثُ بلغةٍ خفيةٍ لا تحتاجُ إلى جملٍ أو أبجدياتٍ. يكفي أن تكونَ موجوداً ليكونَ كلُّ شيءٍ بخيرٍ، ويكفي أن تبتسمَ ليزولَ كلُّ ثقلٍ يرتبكُ بهِ الفؤادُ. إن الأيامَ كفيلةٌ بأن تسقطَ كلَّ زائفٍ ومخادعٍ، وأن تبقيَ لنا فقط أولئك الذينَ كانوا عماداً للروحِ حينَ مالتْ بها الأحداثُ. ومعَ كلِّ يومٍ يمرُّ، يزدادُ إيماني بأن العشرةَ الصادقةَ ليستْ بطولِ السنواتِ ولا بكثرةِ اللقاءاتِ، بل بعمقِ المواقفِ وبذلكَ النقاءِ الذي لا يشابهُهُ زيفٌ. الصديقُ المخلصُ كالشجرةِ الوارقةِ الظلِّ، لا تطلبُ منكَ شيئاً كي تظلَّكَ، بل تمنحُكَ دفئَها وأمانَها فقط لأنكَ قصدتَها خائفاً أو تعباً.
ولا يمكن لعاقل أن ينكر دور الزمن في غربلة العلاقات وتصفية الشوائب؛ فمع مرور الأعوام وكرور الشهور، تتبدل صور كثيرة وتتساقط أوراق خريفية ظنناها يوماً جزءاً لا يتجزأ من شجرة الحياة، بينما تظل الثوابت راسخة كالجبال لا تهزها الرياح العاتية. إن الصديق الحق هو الذي يرى دمعتك قبل أن تنحدر، ويسمع صمتك قبل أن ينطق لسانك، ويحمل معك همومك كأنها أعباؤه الخاصة. وحين يجتمع النقاء والوفاء في شخص واحد، فإنك تملك الدنيا وما فيها بحذافيرها، وتستغني عن كل زينة باهتة لا تسمن ولا تغني من جوع. إننا في هذا الزمن بحاجة ماسة لأن نراجع حساباتنا ونعرف لمن نبوح بأسرارنا، ونختار بعناية فائقة أولئك الذين يستحقون أن نفتح لهم نوافذ أرواحنا دون خوف من ريح الغدر أو عاصفة التنكر.
وفي زحمة هذه الحياة المعاصرة، حيث تتسابق الأوجه وتتعدد الأقنعة، تظل الكلمة الصادقة هي العملة الأندر والأثمن التي لا تنخفض قيمتها مهما تذبذبت أسواق العواطف. فلنحمد الله على نعمة القلوب التي تحبنا لذواتنا لا لما نملك، وللأرواح التي تتسع لزلاتنا قبل إنجازاتنا، وللعيون التي تغمض عن عيوبنا وتبصر جمال سرائرنا. إن العلاقات الطيبة الحقيقية تشبه النبتة المباركة التي تحتاج إلى رعاية واهتمام مستمر لكي تعطي ثمارها اليانعة، وهي المكان الآمن الذي يلجأ إليه الإنسان كلما اشتدت عليه نوائب الدهر وكثرت أعباؤه ومتاعبه.
وهكذا تظل رحلة الرفقة الطيبة هي السراج الذي يضيء دروبنا المعتمة، وهي البلسم الشافي لكل جرح تسببت فيه يدي القسوة والخذلان. إن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي يبحث عمن يشاركه تفاصيل أيامه الحلوة والمرة، عمن يقف بجانبه حين تخونه القوى وتتخلى عنه الظروف. وحين يمنحك القدر هذا الرفيق الصادق، فإن الواجب يقتضي منك أن تحافظ عليه برموش العيون، وأن تفديه بالغالي والنفيس، لأنه العوض الجميل الذي ساقه الله إليك من حيث لا تحتسب. فلا فرصة تضاهي فرصة لقاء الأطهار، ولا غاية ترتجى أسمى من بناء جسور الثقة والمحبة النقية الخالية من المصالح الدنيوية الزائفة التي تنتهي بانتهاء المنافع.
وختاماً لهذه النجوى المستفيضة، أؤكد أن الإنسان بغير محيطه الدافئ وصحبه الصادقين يظل غريباً في هذا الوجود الواسع، يبحث عبثاً عن ظل يفيء إليه أو عتبة يستند إليها حين تميل به سبل الحياة. طالما أن في صدرك نبضاً وفي قلبك متسعاً للمحبة، فابحث عن أولئك الأنقياء الذين يشبهون طهر روحك ولا ترضَ بدون الصحبة التي تزيدك رفعة وأماناً. إن الحياة، بكل ما فيها من صخب وتقلبات ووجوه متعددة، تستحق أن تُعَاشَ طالما أن فيها قلباً واحداً ينبضُ بالصدقِ لأجلِكَ، وعيناً واحدةً تراك حقيقة لا وهماً.
شكراً لكلِّ من جعلَنا نشعرُ أننا لسنا وحدَنا في هذا العالمِ، وشكراً للصداقةِ التي تعيدُ للروحِ خضرتَها بعدَ كلِّ جفافٍ، وتمنحُ الأيامَ معناها الحقيقيَّ والعميقَ الذي لا يزولُ بمرورِ السنينَ ولا بتغيرِ الظروفِ والأحوالِ.
#بقلمي بوح الأدباء
