
مقال 3 دقائق للقراءة
حين تمجّد العتمةُ سوادها
ليست مشكلة العقول النيّرة أنها قد تُهزم أمام العتمة؛ فالهزيمة، مهما كانت قاسية، تظل حادثة يمكن فهمها. المشكلة تبدأ حين تنجح العتمة في تغيير علاقة الإنسان بعقله، حتى يصبح ما كان يرفضه جزءًا من منطقه، وما كان يراه قيدًا شيئًا يدافع عن ضرورته.
في البداية يعرف الإنسان الفرق.
يعرف أن هناك فكرة فُرضت عليه، وحدًّا لم يختره، وصمتًا ابتلعه لأنه يعرف ثمن الكلام. لهذا يعترض. قد لا يملك القدرة على تغيير ما حوله، لكنه يحتفظ بحكمه الداخلي على الأشياء.
ثم يتكرر الضغط.
ومع تكراره يصبح الاعتراض مكلفًا، ويصبح السكوت أسهل، ثم يتحول السكوت من وسيلة مؤقتة إلى عادة. هنا لا يحدث شيء درامي يمكن للمرء أن يؤرخ له؛ لا يستيقظ صباحًا فيجد نفسه شخصًا آخر. إنما يتنازل كل مرة عن جزء صغير من موقفه، حتى يصل إلى يوم يجد فيه أن الموقف نفسه صار غريبًا عنه.
وهنا تبدأ الحيلة الأخطر.
يحتاج الإنسان إلى تفسير لما حدث له، فيعيد تسمية تنازلاته. يسمي خوفه حذرًا، وتراجعه عقلانية، وصمته حكمة، وانصياعه واقعية. يفعل ذلك لأنه يحتاج إلى أن يظل قادرًا على احترام نفسه، ومن الصعب على المرء أن يحترم نفسه إذا اعترف بأنه عاش طويلًا وفق شيء كان يعرف أنه يرفضه.
من هنا تستطيع العتمة أن تمضي خطوة أخرى.
بدل أن تفرض على الإنسان ما يريد أن يعتقده، تتركه يصنع المبررات بنفسه. وحين يصبح المبرر نابعًا من الداخل، يتغير شكل القيد كله؛ لم يعد شيئًا يُفرض، وإنما صار رأيًا شخصيًا.
وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها.
فالإنسان قد يُجبر على شيء ثم يبقى رافضًا له في داخله، وقد يخسر معركة دون أن يخسر حكمه عليها. أما حين يتبنى منطق الشيء الذي أخضعه، فالمسألة تتجاوز الهزيمة. لقد بدأ يشارك في إنتاجها.
لذلك نرى أحيانًا عقلًا مثقفًا يدافع عن أفكار كان يفترض أن يكون أول من يشكك فيها، ويملك قدرة كبيرة على تحليل الواقع، ثم يستخدم هذه القدرة نفسها لإيجاد الأعذار التي تجعل الواقع قابلًا للتبرير.
هنا لا يكون نقص المعرفة هو المشكلة.
المشكلة أن المعرفة فقدت وظيفتها الأخلاقية.
صار العقل أداة لفهم الأشياء دون أن يمنح صاحبه الشجاعة اللازمة لمراجعتها.
والأشد قسوة أن هذا الإنسان قد لا يشعر بأنه خسر شيئًا. لقد أقنع نفسه بأن ما يفعله اختيار، ثم يبدأ بالنظر إلى من يرفضه باعتباره متهورًا أو ساذجًا أو غير واقعي. وكلما ظهر أمامه شخص ما زال يحتفظ بحقه في السؤال، شعر بالانزعاج منه؛ لأن وجوده يذكّره بشيء حاول طويلًا أن ينساه: أنه كان يستطيع أن يفكر بطريقة أخرى.
لهذا تمجّد العتمة سوادها بأصوات من عاشوا فيها.
لا يحتاج الأمر إلى أن يحب الإنسان الظلام. يكفي أن يحتاج إلى تبرير السنوات التي قضاها داخله.
وعندما يبلغ الأمر هذه المرحلة، تصبح استعادة النور مسألة ثانوية. السؤال الأصعب هو: هل يستطيع الإنسان أن يستعيد إرادته بعد أن أقنع نفسه أن ما اختاره لم يكن مفروضًا عليه؟
فالإرادة لا تختفي حين يُمنع الإنسان من الاختيار فقط؛ قد تختفي أيضًا حين يتكرر الاختيار تحت الخوف حتى يبدو الخوف نفسه جزءًا من الاختيار.
وهنا يصبح القهر أكثر دهاءً من صورته المباشرة. إنه لا يقول للإنسان: «سأمنعك من أن تريد». يتركه يريد ضمن الحدود التي رسمها له، ثم يمنحه ما يكفي من الأسباب ليعتقد أن تلك الحدود كانت فكرته منذ البداية.
عندها تكون العتمة قد فعلت أكثر من إطفاء عقل.
لقد جعلت العقل شاهدًا على انطفائه، ثم أقنعته بأن ذلك كان موقفًا اتخذه بكامل إرادته.
وهذا، في رأيي، هو الشكل الأكثر اكتمالًا للخضوع:
أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا يحتاج فيها أحد إلى إجباره على البقاء؛ لأنه صار يرى مغادرة المكان الذي قيّده خيانةً لنفسه.
عندها لا يعود السؤال: من أطفأ النور؟
السؤال الذي يستحق الإجابة هو:
📌
من أقنعنا أن إطفاءه كان اختيارنا؟
#تمرد_اليامي
#مقهى_الخزامى
#فلسفة
#مقالات
#رؤية_فلسفية
