آخر مكالمة
قصة قصيرة ..
...............................................( آخر مكالمة )
أغلقتُ سماعة الهاتف, كانت هذه هي آخر مكالمة أجريتها قبل أن أموت. كانت مكالمة من سيدة مجهولة أخبرتني بشيءٍ مُدهش سأحدثكم عنه بعد قليل.
قبل موتي بثلاث دقائق, كُنتُ مسحوباً ككواكبٍ سحبتها الجاذبية, أتوق شوقاً لموتٍ يقتلني قبل موتي, كُنتُ أتدفق على الشارع وصوت أبواق العربات يكاد يخرقني, بعضهم شتمني, وبعضهم قذفني بكأسٍ بلاستيكي به بقايا مشروب الشاي, كُنتُ أتحرك ببطء شديد, وفي النهاية عبرت, لأني لم أمت من حادث سير.
بعد أن انتهت مراسم تشييع جثماني, وحُشرتُ في باطن الأرض, وبعد أن سمعتُ صرخات البكاء والعويل, بعد أن انتهى كل شيء, بدأ الجميع يشربون نخبهم من القهوة المُرة ويُحلون بالتمر المُعتق على روحي التي إلى ما قبل موتي كانت مجهولة.
لم أكن خائفاً من كوني مقبوراً بين أموات, كنتُ أعلم أنَّ الأموات مثلي لا يخافون المقبرة, رغم أني وهم كنا خائفين حين كُنا هناك أحياءً خارج المقابر, هناك خارج المقابر الأحياء أو بعضهم أو كلهم يتعاملون مع الحياة وكأنها مسرح ضخم لممارسة كل الشهوات, فهم أو بعضهم أو كلهم ينسجون الشباك لتجربة جديدة, مع جسدٍ جديد, وأنا من بينهم لم أكن استثناءً, كنت كأحدهم, شهوة تدب على سطح الأرض, للمال, للشُهرة, للمجد الوقح, أو لذكرى مُشوشة تهشمت في كوب خمرٍ من يد عاهرة. ثم انقلبتُ على النقيض بين ليلةٍ وضحاها، وبات الكونُ كله في نظري مجرد قُمرة للإلحاد والفجور!
قبل موتي بأيام اكتشفتُ الفارق الهائل بيني أنا وبين اسمي, لم تكن تشيزوفرينيا, لستُ مفصوماً, اكتشفتُ أني ما عشتني, لم أعش حقيقتي, كنتُ أتخبط كالعجين بيني وبين ما أبدو عليه, كأني أعيش اليوم يومين, وكأنَّ العالم عالمين, وكأن في كل شيء يقبع شيئان.
وصلة طويلة من الضحك أقرعها الآن على مسامعكم, فكلكم لستم أنتم, كلكم اثنين, فقد عرفتُ هذه الحقيقة بعد موتي, حين فجرتُ حزامي الناسف في مركز للشرطة! فعناصر الأمن كلهم كفار - حين كنتُ حياً-، أما الآن وبعد موتي, علمتُ حقاً من الذي كان كافراً..
بقي أن نقول مَن هي صاحبة المكالمة, وماذا قالت, إنها أمي, كانت تتحدث باكية لأنها الوحيدة التي كانت تعرف الاثنين اللذين كانا يعيشاني, خَتَمتْ مكالمتها قائلةً: ( انتبه لنفسك.. ) إلا أنني لم أنتبه.
.......... سهل أبو معلا ( أبو فارس معلاوي )
من مجموعتي القصصية ( ساعات من العشق وسنوات من الجنون )

5