
مقال دقيقتان للقراءة
أوراق التوت؛
أوراق التوت.. بين الحضور والغياب.. حيث لا أنت ولا انا..
أوراق التوت.. يأسرنا الحنينُ للماضي وتسرقنا الذكرياتُ؛ فلا الماضي يعودُ، ولا الذكرياتُ تتركنا لنمضيَ في حالِ سبيلنا، ولا رائحةَ الأماكنِ تفارقنا..
كثيراً ما يخوننا التعبير عمّا نريد ويختلج في صدورنا؛ فإما افتقرت قريحتنا للكلمات المناسبة، أو أننا قد تجاوزنا الفهم الصحيح للأمور الظاهرة، أو عجزنا وجزعنا أمام المصاب الجلَل من الحكيم الخبير، ولكن المؤكد هنا وفيما بيننا أن ما يخرج من القلب يستقبله قلبٌ آخر بكل ترحاب وامتنان..
ونحن في رحلتنا الطويلة مع أوراق العمر الجميل، أوراق التوت الحنونة، حيث نقف بجانب جدرانها المغلفة بالحنين والحنان تارة، أو نُنْصت السمع لأصداء أصواتها المعلقة بين الماضي فينا والحاضر تارة، أو تتَطلَّع عيوننا إلى ألوان ربيعها في الصباح ثم خريفها عند المساء وهي حبيسة الوجدان بين حاضرها والمستقبل الآتي من خلف الفصول تارةً أخرى وأخرى..
وذات انطلاق دون حساب للمجهول، تساقطت أوراق التوت منا بين هزيز الرياح الدافئة وهمسات الأحبة والعاشقين، فتمسكت أناملنا الضعيفة بتلابيب الحب، وارتدت أجسادنا جلابيب الوجد، وأغفلت قليلاً.. قليلاً فقط تعاليم العقل..
وبعد حينٍ عندما رست أوراق التوت موضعها الصحيح؛ وجدت وشوم الوجد محفورة على جدار القلب، وخطوط ملامح الاشتياق مرسومة بريشة فنان حبيبٍ غريب على سِحْنَة الوجه، وأطياف الزمان الرمادية تسكن الروح حتى النخاع، فالعين هي الشاهد، والقلب هو الحاكم، وبين الشاهد والحاكم أمر الله مفعولٌ.. مفعولُ..
وبين هذا وذاك نتقلّب على جمر الصبر والشكر، الرضا والسخط، الأخذ والعطاء، وأمرنا إلى الله ربنا _رب العالمين_، فحيناً يتراءى لنا الأمل في أبهى وأنضر ما تكون أشجار التوت؛ فيهدأ روعنا، ويستعظم حلمنا ويستطيب لنا العيش..
وحيناً آخر عندما تواجهنا بوجهها القبيح وقد تساقطت أوراقها حتى بقيت عارية إلا من الجذور والأغصان؛ فتغيب عنا المعاني وتهرب الكلمات، حيث تدور في عقلنا الأفكار والعبارات مستخلصة أن الحياة ودروبها هي ذاتها منذ الأزل،
وستظل بمشوارها الطويل ونفَسَها الجليل المليء بالنشاط والحيوية، المزخرف بالآمال والأحلام الوردية، ومخفية بين طيات ثيابها أتراحها النكدية..
#أوراق_التوت #هاله_جاد
