أن تنظرَ إليهم،
فأنتَ تحملُ على كتفيكَ عبءَ العالم،
أن تتأمّلَ ملامحَهم،
فأنتَ تسيرُ في دروبِ الخرابِ بأقدامِ الصمت.
وجوهُهم خرائطُ للمنفى،
ممهورةٌ بأختامِ الريح،
تحملُ على تجاعيدِها آثارَ المدنِ التي لفظتهم،
وعلى أفواهِها صرخاتٍ بُحَّتْ قبلَ أن تُولد.
الرجالُ يدخّنون،
كأنّهم ينفثونَ معَ الدخانِ هزائمَهم،
ينفخونَ في الهواءِ تنهداتِ الراحلين،
يخافونَ أنْ يتكلّموا،
فاللغةُ لم تعدْ صالحةً للبقاء،
والكلماتُ لم تعدْ تنبتُ في أراضٍ
سقتها الدموعُ والدماء.
النساءُ…
أعينُهنَّ مرايا مهشّمة،
يعبرُ فيها القلقُ والخوفُ كأنه ظلٌّ دائم،
وجوهُهنَّ صفحاتٌ بيضاء،
كُتبَ عليها الانتظارُ بأحرفٍ من رماد،
أذرعُهنَّ فارغة،
إلّا من أشباحِ أحلامٍ
رحلتْ دونَ وداع.
أما الأطفال،
فوجوهُهم مسكونةٌ بالفزع،
أعينُهم نوافذُ تطلُّ على الفراغ،
أصواتُهم التي كانت ضحكات،
تحوّلتْ إلى صمتٍ شاسع،
كأنّهم تعلموا أنَّ من يتكلّمُ
يصبحُ هدفًا،
وأنَّ من يضحكُ
يختفي.
وفي الحافلاتِ، حيثُ الصمتُ يعلو فوقَ أصواتِ النبض،
جلسَ الجميعُ في حضنِ الفراغِ،
كأنَّهم ظلالٌ فقدتْ أصحابَها،
كأنَّهم أجسادٌ لم تعدْ تتذكّرُ أسماءَها.
لا أحدَ يلتفتُ، لا أحدَ يسألُ:
إلى أين نمضي؟
فالمنافذُ كلها تؤدّي إلى العدم،
والمنافي تشبهُ بعضها،
لا فرقَ بين وطنٍ يُطردُ منك،
ووطنٍ يُطردُ منك ثانيةً،
ووطنٍ لا يأتي أبدًا.

2 مشاهدة