منذُ اختفتْ أمّي من المشهد
والصباحُ
يصلُ متأخرًا عن نفسِه
يقفُ كلَّ يومٍ
خارجَ بابِه
كزائرٍ لا يعرفُ كيف يدخل.
أفتحُ النافذة،
فتدخلُ المدينةُ كاملةً:
الضوء،
الضجيج،
العابرون،
رائحةُ الخبز،
وصوتُ الباعةِ البعيد…
لكنَّ النهارَ نفسَه
يأتي ناقصًا.
نصفُ ضوء،
نصفُ دفء،
ونصفُ قلب،
كأنّهُ
يحاولُ إقناعَ نفسِه
أنَّ الحياةَ ما زالتْ قابلةً للاحتمال.
وكأنَّ الشمسَ
لا تُجيدُ الوصول
إلّا عبرَ وجهِ أمّي.
كانتْ هي
الطريقةَ التي يستيقظُ بها البيت.
كأنَّ البيتَ بعدَها
أُصيبَ بعطبٍ داخليّ،
شيءٌ لا تُصلحهُ الكهرباء
ولا ترتيبُ الأثاث
ولا فتحُ النوافذِ كلَّها دفعةً واحدة.
كانتْ النظامَ السرّيَّ للفوضى،
اليدَ التي تمنعُ الأشياءَ
من السقوطِ الكامل.
أمّي وحدها
كانتْ تملكُ تلك القدرةَ الغامضة
على تحويلِ الجدرانِ
إلى كائناتٍ دافئة
حينَ كانتْ تمرُّ
بفستانِها المنزليّ الخفيف
أشعرُ أنّ الممرّاتِ
يُعادُ ترتيبُها من الداخل،
وأنَّ الأثاثَ نفسَه
يصيرُ أقلَّ وحدة.
حتى الملاعقُ
كان لها صوتٌ مختلف
في يدِها.
والشايُ
لم يكنْ مجرّدَ شاي،
بل طقسًا صغيرًا
تسكبُ فيهِ أمّي
طمأنينتَها كلَّها
ثم توزّعُها علينا
في الأكواب.
حتى الصباحُ
كان يعرفُ مقاسَ صوتِها
و
وغابتْ
صار البيتُ يعرفُ الصمتَ أكثرَ ممّا ينبغي.
وصارتِ الأشياءُ
تؤدّي وظائفَها فقط
دونَ روح.
تستيقظُ الغرفُ متأخرة،
كغريبٍ لا يعرفُ أصحابَ المكان.
الستائرُ تُفتح،
لكن لا أحدَ يوقظُ الضوء.
الهواءَ ناقص،
وأنَّ الرائحةَ التي كانتْ تربطُ البيتَ بالأمان
انقطعتْ فجأة،
كأنَّ أحدًا
سحبَ روحَ المكانِ بهدوء
وأغلقَ البابَ وراءه.
لم يعدِ الحزنُ واضحًا،
صار أكثرَ مكرًا.
يختبئُ في التفاصيلِ الصغيرة
في كوبٍ لم تعدْ تشربُ منه
في مشطِها
في المنشفةِ المعلّقةِ كأنّها ما زالتْ هنا
وفي ذلك الصمتِ
الذي يجلسُ مكانَها
على طرفِ البيت.
أمرُّ بجوارِ بابِها المغلق
فأشعرُ أنّ العمرَ كلَّه
واقفٌ هناك،
ينتظرُ امرأةً
لن تأتي.
وأفهمُ متأخّرةً
أنَّ الأمّهاتِ
لا يرحلنَ وحدهنّ،
بل يأخذنَ معهنّ
النسخةَ المضيئةَ من الأرواح
البيوتَ
لا تسقطُ فجأة،
بل تفرغُ ببطء،
مثلَ صدرٍ
يخرجُ منه النفسُ الأخير
ولا ينتبهُ أحد.
لهذا
كلّما قالوا لي
صباحُ الخير،
أهزُّ رأسي بصمت.
فمنذ خرجت أمي من الوقت
صار الضوءُ
أقلَّ قدرةً
على طمأنةِ الأشياء.
و الخيرَ ....فكرةً قديمة
و الأيام تعاش
كما يعيشُ بيتٌ
نُزعتْ منه الأمّ
وبقيَ واقفًا
مجاملةً فقط. .....
سحر الحسيني

5 مشاهدة