
مقال 5 دقائق للقراءة
سلسلة مقالات عن الأخلاق حين تتراجع الأخلاق... من المسؤول؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ،
المقال الأول:— من سلسلة: الأخلاق بين واقع مؤلم وأمل في الإصلاح
لم تعد الشكوى من تراجع الأخلاق مجرد أحاديث عابرة تدور بين الناس، بل أصبحت قضية تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا، وأن نبحث في جذورها قبل أن نكتفي بوصف مظاهرها. ففي شوارعنا نرى أحيانًا سلوكيات تثير القلق؛ ألفاظًا جارحة تصدر عن صغار السن، واستهانة بحقوق الآخرين، وغيابًا لاحترام الكبير، واعتداءً على الممتلكات العامة، ومشاجرات تبدأ بكلمة وتنتهي بخصومة لا يعرف أحد كيف بدأت ولا كيف ستنتهي. وهنا يفرض نفسه سؤال مهم: كيف وصل بعض أبنائنا إلى هذه الحال؟ ومن المسؤول عن هذا التراجع في السلوك والأخلاق؟ هل أصبح الأبناء وحدهم موضع الاتهام؟ أم أننا بحاجة إلى أن ننظر في المرآة، ونسأل أنفسنا بصدق: ماذا قدمنا لهم؟ وماذا تركناهم يتعلمون من حولهم؟ الأخلاق لا تولد فجأة... بل تُبنى يومًا بعد يوم إن الطفل لا يأتي إلى الدنيا وهو يحمل قاموسًا من الكلمات النابية، ولا يولد مستهينًا بالآخرين أو رافضًا للنظام. إنه يتعلم، ويراقب، ويقلد، ويختبر ردود أفعال من حوله. فإذا نشأ في بيت يسوده الاحترام، ورأى والديه يلتزمان الصدق والرحمة وضبط النفس، كان أمامه نموذج عملي يتعلم منه. أما إذا سمع في بيته الصراخ والإهانة، وشاهد الكذب وسيلة لتجاوز المواقف، ورأى القوي يظلم الضعيف دون حساب، فقد تتناقض النصائح التي يسمعها مع السلوك الذي يراه كل يوم. وهنا تكمن خطورة القدوة؛ فنحن لا نربي أبناءنا بما نقوله لهم فقط، بل نربيهم أيضًا بما نفعله أمامهم.
الشارع ليس السبب الوحيد: — من السهل أن نلقي اللوم على الشارع، وأن نقول إن الزمن قد تغير، وإن الأجيال الجديدة لم تعد كما كانت. لكن الحقيقة أعمق من ذلك. فالشارع قد يكون ساحة تظهر فيها المشكلة، لكنه ليس بالضرورة المكان الذي بدأت فيه. هناك عوامل متعددة قد تسهم في نشأة السلوك السيئ، منها ضعف المتابعة الأسرية، وغياب الحوار بين الآباء والأبناء، والقسوة المفرطة أو التدليل الذي لا تصاحبه مسؤولية، والتنمر بين الأقران، والتعرض لمحتوى إعلامي يطبع الإهانة والعنف في أذهان الصغار، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وضعف الأنشطة التربوية التي تستوعب طاقاتهم. ولا يعني ذلك أن كل طفل يعيش هذه الظروف سيئ الخلق، أو أن الظروف تعفي الإنسان من مسؤولية تصرفاته؛ وإنما يعني أن فهم الأسباب خطوة ضرورية لاختيار العلاج الصحيح. إننا إذا اكتفينا بمعاقبة الابن على سلوكه، دون أن نفهم ما الذي يدفعه إليه، فقد ننجح في إسكاته مؤقتًا، لكننا لن ننجح بالضرورة في تغيير ما بداخله. حين تغيب القدوة ويضعف الحوار من أخطر ما يمكن أن يحدث داخل الأسرة أن تتحول العلاقة بين الآباء والأبناء إلى أوامر ونواهٍ وعقوبات، دون مساحة حقيقية للاستماع والفهم. فالابن الذي لا يجد من يسمعه في البيت قد يبحث عمن يسمعه خارجه، وقد يجد بين رفاقه من يمنحه شعورًا بالقبول، حتى لو كان الثمن تقليد سلوكيات خاطئة. والابن الذي لا يتعلم كيف يعبر عن غضبه بالحوار قد يلجأ إلى الصراخ أو الاعتداء، بينما يحتاج في الحقيقة إلى من يعلمه كيف يختلف دون أن يسيء، وكيف يرفض دون أن يهين، وكيف يدافع عن حقه دون أن يعتدي على حقوق غيره. وليس معنى ذلك أن نبرر الخطأ أو نتساهل معه، بل أن نجمع بين الحزم والرحمة، وبين المحاسبة والفهم، وبين وضع الحدود واحترام مشاعر الأبناء. أين دور المدرسة والمجتمع؟ ليست الأسرة وحدها المسؤولة عن بناء الأخلاق، وإن كانت صاحبة الدور الأول في التأسيس. فالمدرسة ليست مكانًا لتلقين المعلومات فقط، بل ينبغي أن تكون بيئة يتعلم فيها الطالب احترام النظام، وقبول الاختلاف، وتحمل المسؤولية، وحفظ حقوق الآخرين. كما أن المجتمع كله يشارك في التربية؛ فحين يرى الصغير الكبار يحترمون القانون، ويحافظون على الممتلكات العامة، ويتعاملون بأدب مع العامل والبائع والجار، فإنه يتعلم أن الأخلاق ليست كلمات تقال في المناسبات، وإنما سلوك يومي. أما حين يرى التناقض بين ما نطالب به وما نمارسه، فقد يفقد ثقته في النصائح، ويصبح السؤال لديه: لماذا ألتزم بما لا يلتزم به الكبار أنفسهم؟ إن التربية الحقيقية تبدأ حين تصبح القيم ممارسة ملموسة، لا مجرد شعارات معلقة على الجدران. هل فقدنا الأمل في إصلاح أبنائنا؟ بالطبع لا. فالأخلاق يمكن أن تُهذَّب، والسلوك يمكن أن يتغير، والطفل الذي أخطأ اليوم ليس محكومًا عليه بأن يظل أسير خطئه غدًا. لكن الإصلاح يحتاج إلى عمل مشترك، يبدأ من البيت بالقدوة والحوار والمتابعة، ويمتد إلى المدرسة بالتوجيه والاحتواء والانضباط العادل، وإلى المجتمع بتوفير بيئات آمنة وأنشطة نافعة، ومواجهة التنمر والعنف، وتقديم نماذج إيجابية يقتدي بها الصغار. ويحتاج كذلك إلى ألا نخلط بين رفض السلوك السيئ ورفض صاحبه؛ فمن حقنا أن نحاسب الابن على الخطأ، لكن من واجبنا أيضًا أن نفتح أمامه باب العودة إلى الصواب. فالتربية ليست معركة ننتصر فيها على أبنائنا، بل مسؤولية نساعدهم من خلالها على الانتصار على أخطائهم. كلمة أخيرة: — قبل أن نسأل: لماذا أصبح بعض أبنائنا يتصرفون بهذه الطريقة في الشوارع؟ لنسأل أنفسنا سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا فعلنا حتى نمنحهم القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وبين القوة والبلطجة، وبين الحرية والفوضى، وبين احترام الذات وإهانة الآخرين؟ إن تراجع الأخلاق ليس مشكلة جيل واحد، ولا مسؤولية فرد واحد، بل قضية تتداخل فيها التربية والقدوة والظروف والوعي والقانون. ولن نستعيد القيم بالصراخ على الأبناء، ولا بتبادل الاتهامات، وإنما بالاعتراف بالمشكلة، وفهم أسبابها، والبدء بإصلاح ما نستطيع إصلاحه. فإذا أردنا أن نرى أخلاقًا أفضل في شوارعنا، فعلينا أن نبدأ ببناء أخلاق أفضل في بيوتنا ومدارسنا، وفي سلوكنا نحن قبل سلوك أبنائنا. ويبقى السؤال الذي نتركه مفتوحًا أمام كل قارئ: هل تراجع أخلاق الأبناء هو أزمة تربية في المقام الأول، أم أنه انعكاس لأزمة أوسع يعيشها المجتمع كله؟ وللحديث بقية...
بقلم / احمد عزيز الدين احمد كاتب وروائي وشاعر
