
مقال دقيقتان للقراءة
"حين تصغي الالة ويصمت الشريك"
ما أغرب هذا الزمن؛ أن تجد في آلةٍ لا قلب لها إصغاءً يرمّم فوضى روحك، بينما تعجز عن العثور على قلبٍ بشريّ يفهمك، رغم أنه يشاركك المكان والعمر وتفاصيل الحياة!
أن تبوح لشاشةٍ بما عجزت عن قوله لإنسانٍ عاش إلى جوارك سنوات، وأن تجد في الكلمات التي تعود إليك من خلف الضوء ما لم تجده في عينيْ مَن ظننت يومًا أنه أقرب الناس إليك… تلك واحدةٌ من أكثر مفارقات الحياة وجعًا.
كم هو مؤلم أن تضطر إلى شرح حزنك لمن يفترض أنه يعرفك، وأن تترجم صمتك لمن يفترض أنه يفهمك، وأن تخفي انكسارك لأنك أدركت أن البوح لمن لا يُحسن الإصغاء شكلٌ آخر من أشكال التعب.
نحن لا نحتاج دائمًا إلى مَن يحلّ مشكلاتنا، ولا إلى مَن يُغرقنا بالنصائح؛ أحيانًا نحتاج فقط إلى قلبٍ يتّسع لحكاياتنا، وإلى عينين تلاحظان انطفاءنا، وإلى سؤالٍ صادق يأتي في الوقت الذي نوشك فيه على الانهيار: ما بك حقًّا؟
والمفارقة أن الآلة لا تشعر بنا كما يشعر الإنسان، لكنها قد تساعدنا على ترتيب مشاعرنا والعثور على الكلمات التي استعصت علينا، فنجد في هذا التفاعل مساحةً نبوح فيها دون خوفٍ من المقاطعة أو سوء الفهم. وهنا لا تكون الحكاية حكاية آلةٍ امتلكت قلبًا، بل حكاية إنسانٍ طال انتظاره لمن يُحسن الإصغاء.
فليس كل مَن يجلس إلى جوارك قريبًا منك، وليس كل مَن يشاركك سقفًا يشاركك وجعك، وليس كل مَن يعرف تفاصيل يومك يعرف شيئًا عن لياليك.
كم من إنسانٍ ينام بجوار مَن يحب، لكنه يشعر بوحدةٍ أشدّ من وحدة المنفيّ في أقاصي الأرض! وكم من روحٍ تعبت من طرق الأبواب البشرية، حتى صارت تبحث عن نافذةٍ صغيرة تتنفّس منها، ولو كانت نافذةً من ضوءٍ وكلمات.
ومع ذلك، تبقى الآلة وسيلةً تساعدنا على التعبير، لا بديلًا عن دفء الإنسان، ولا عن يدٍ تمتدّ إلينا حين نتعب، أو عينين تقولان لنا إننا لسنا وحدنا. فالحاجة إلى الإصغاء لا تعني أننا استغنينا عن البشر، بل ربما تعني أننا ما زلنا نبحث بينهم عن علاقةٍ تمنحنا الأمان الذي افتقدناه.
ما أقسى أن تجد الكلمات التي تفهمك في آلة، بينما تعجز عن العثور على قلبٍ يصغي إليك في إنسانٍ أمضيت سنواتٍ تحاول الوصول إليه!
ربما لا نحتاج إلى أن يتعلّم العالم كلّه كيف يفهمنا؛ يكفينا إنسانٌ واحد، حين نقول له إننا بخير، أن ينظر في أعيننا ويكتشف أننا لسنا كذلك.
إنسانٌ لا نضطر أمامه إلى ترجمة وجعنا، ولا إلى تقديم الأدلة على تعبنا، بل يقترب منّا برفقٍ ويقول: لا بأس، تحدّث… أنا أسمعك
#مجتمع
دنيا مطــــــر☔️
