اعتذار المسافات
اعتذار المسافات..
طالَتْ، وهذي الروحُ بي تتصدعُ
يفنَى الوجودُ ولا أراكَ تُوَدَّعُ
هَبْني يمينَكَ علَّني أرتاحُ مِن
وَعْثاءِ ما أَلْقَى وما أَتَوَقَّعُ
واضْمُمْ إلى خدِّي يَسارَكَ رُبَّما
أَلْقاكَ طِفْلًا يُسْتَرَدُّ ويَرْجِعُ
عُدْ للطُّفولةِ، قَبْلَ رَغْبَةِ مَن يَرى
أنَّ الطُّفولةَ ناشِزٌ لا تَسْمَعُ
عُدْ لا عَلَيْكَ، كَفاكَ أنْ تَلْقى يَدًا
مِن قَبْلِ عَيْنِي، إن ذكرتُكَ تَدْمَعُ
قُلْ لي، وما حالُ المَشيبِ، أَصاحِبٌ
سَهْلٌ؟، وما فَعَلَ الزَّمانُ المُوجِعُ؟
والذِّكْرياتُ؟، وقدْ صَرَفْتَ أَحَبَّها
وصَدى تَوَسُّلِها يَصيحُ: اسْتَرْجِعوا
قاوَمْتَ صَخْرَ العُمْرِ، كَيْفَ كَسَرْتَهُ
وشَهِدْتُهُ مِن تَحْتِ كَفِّكَ يَخْشَعُ
وتُرابُ شارِعِنا، خُطاكَ تزيدُهُ
شرفًا.. ومَن عبروا وراءَكَ أينعوا
خُذْ مِنْهُ أَتْعابَ السِّنينِ، وأَبْقِها
صَدَقاتِ عُمْرٍ؛ بالجِراحِ مُرَصَّعُ
واقْبِضْ بِيُمْناكَ الضِّياءَ مُبارَكًا
مِن تُرْبَةٍ حَمْراءَ لابْنِكَ تَشْفَعُ
أَبْقَى بها لَكَ لَمْسَتَيْنِ قَديمَتَيْنِ
ودُمْيَةً تشكُو، وشَوْقًا يُوجِعُ
ما أَبْعَدَ الأَيّامَ تَرْكُضُ حَوْلَنا
مِثْلَ الرَّصاصِ، مَتَى تَرِقُّ وتَقْنَعُ؟
وتَضُمُّ دَرْبَيْنا بدَرْبٍ واحِدٍ
وتَلُمُّ شَمْلًا لم يَزَلْ يَتَقَطَّعُ
أنا أَوَّلُ القَتْلى بصَدْرِكَ يا أَبي
ودَمي مَسافَتُكَ التي تَتَمَنَّعُ
لم تُوقِفِ الدُّنْيا غِنائيَ باكِيًا
إنَّ البُكاءَ عَزاءُ مَن يَتَلَوَّعُ
تَرَكَ الحَياةَ وَراءَهُ مِن ظَنِّهِ
أنَّ الحَياةَ لَهُ تَلينُ وتَخضَعُ
فَرَأى انْحِسارَ الضَّوْءِ في أَعْماقِهِ،
واللَّيْلُ في أَضْلاعِهِ يَتَنَطَّعُ
يَكْفيكَ يا لَيْلُ انْصَرِفْ واتْرُكْ لنا
شَمْسًا تُعانِقُنا ولا تَتَقَنَّعُ
شَمْسًا تَرى كَفَّيْ أَبي، وتُعيدُني
قَمَرًا على شُبّاكِهِ أتوزَّعُ
أنا يا أبي، الدّرويشُ ليلةَ جُوعِهِ
للخُبزِ، كيف ابنُ الأُصولِ يُجوَّعُ
بَيْني وبَيْنَكَ في المَسافَةِ دَمْعَةٌ
بَحْرًا، وقافِيَةٌ تُحَرِّضُنا: ارْجِعوا
وتَقولُ مِن شَوْقٍ إلى اسْتِعْجالِنا
مِن حَقِّ هذا الحُبِّ أنْ تَتَسَرَّعوا
اصْبِرْ وقاوِمْ ما اسْتَطَعْتَ، لَعَلَّني
قُبَلًا أَعودُ، على يَمينِكَ تُطْبَعُ
واحْمِلْ دُعاءَكَ فَوْقَ أَجْنِحَةِ الرِّضا
فَبِهِ أُجابِهُ ما كَرِهْتَ؛ وأَدْفَعُ
يا أَيُّها الجَبَلُ المُحيطُ بِطِفْلِهِ
لا تَنْأَ، وادْنُ، فإنَّ بُعْدَكَ مُفْزِعُ
لا تَكْتَرِثْ للشَّيْبِ في رَأْسي، أنا
وَلَدٌ يَحِنُّ مَتَى يَرِقُّ المَنْبَعُ
وَلَدٌ يَراكَ الدَّهْرَ عيدَ شَبابِهِ
وَجِّهْ شِراعَكَ فالْحَنينُ مُشَرَّعُ
وعلى شَواطِئِكَ التي نَشْتاقُها
حُلْمٌ يُضاءُ.. وخاطرٌ لا يَهجَعُ
37 مشاهدة
