مرافئ الروح
مـــرافئ الـروح
==============
لا أنهض مترنحًا، بل أخطو بثباتِ من عرفَ وجهته وإن طال الدرب. لا يهم إن أثقلتني الكدمات، فالحلم الذي ننتظره يستحق أن نصل إليه حتّى ولو جثثًا على أجنحة الأمل.
لم تكن الوحدة يومًا ملاذي الوحيد، فالعالم أرحب من جدران الغرفة. لقد احتضنت الكتب لأتعلم كيف أعيش بين البشر لا كيف أهرب منهم، فالحياة الحقيقية تُصنع حين نخرج لنلامس نبض الشارع لا حين نعتزل فيه.
لماذا الحذر الدائم؟ إما أن نقترب حتى نضيء معًا، أو نبتعد بشجاعة. الحياد في المشاعر موت بطيء، والعيش في منتصف المسافة لا يشبه سوى البرود.
لستُ أتمسك بالمعاني الفارغة خوفًا، بل أصنع المعنى بيدي إن غاب. الفراغ ليس قدرًا محتومًا، بل لوحة بيضاء نملك وحدنا حرية تلوينها بما نريد.
أجمل الأفراح ليست التي تسقط صدفة، بل التي نزرعها بالصبر ونسقيها بالإيمان حتى تشرق كشمس لا تخلف موعدها. الانتظار ليس عبثًا حين نعرف لمن ننتظر.
إن كان الحب لا يمنحنا الفهم والبحث والسؤال، فما عدنا نعرف معنىً للوصل. الحب الحقيقي ليس تساؤلاً موجعاً، بل إجابة واضحة ومأوىً آمناً لا يحتاج لاختبار.
من خرج من القلب بمرارة، لم يكن يسكنه حقاً. القلوب أوسع من أن تُغلق للأبد، وما نُزع اليوم قد يُزهر مكانه شيء أجمل غداً؛ فالذاكرة تُضمد نفسها بنفسها.
حتى وإن بدا العالم للوهلة الأولى كفوضى عارمة، فإننا لسنا سجناء عبثيته. نحن من نمنحه الوجهة، ونحن من نضع النور في عتمته؛ فالمعنى ليس كامنًا فيه، بل في أعماقنا نحن.
جروح القلب ليست آبارًا بلا قرار، بل هي بوابات للحكمة. كلما مررنا بندبة، تعلمنا كيف نحمي نبضنا وكيف نمنح الحب بقدرٍ أصفى وأعمق.
لا أريد تبلدًا يسلبني شعوري، ولا سلامًا يُشبه الموت السريري. أريد أن أحب بضجيج، وأحزن بصدق، وأبقى حيًا بكل تفاصيلي، فلا طعم لحياة بلا شغف.
لماذا أحنَّ لنوم الطفولة وأنا أملك اليوم عقلًا ناضجًا يبني عوالمه الخاصة؟ ليالي الكبار وإن تعبت فيها أجسادهم، فهي تمنحهم وعيًا وحكمةً لا توازيها براءة الصغار.
لا أنكر أنني عبرت بمفردي، لكنني لا أعيش على ذكرى العزلة. عظمة الروح تكمن في أنها بعد كل عاصفة وحدها، تخرج لتصنع طوق نجاة لها وللآخرين.
والسلام لروحك
سفيرة السلام
د.منی الزيادي
5 مشاهدة