في رحاب الضاد
«كلُّ إناءٍ بما فيه ينضح»
قال الشاعر:
وَيَأْبَى الَّذِي فِي القَلْبِ إِلَّا تَبَيُّنًا
وَكُلُّ إِنَاءٍ بِالَّذِي فِيهِ يَنْضَحُ
تختزن اللغة العربية في أمثالها وحِكَمها صورًا بليغة من تجارب الحياة وخبرات البشر، ويأتي المثل العربي الشهير «كلُّ إناءٍ بما فيه ينضح» في مقدمة الأمثال التي تصف طبيعة الإنسان، وتكشف ما تنطوي عليه نفسه من صفات وأخلاق، مهما حاول إخفاءها أو التستّر عليها. فكما لا يخرج من الإناء إلا ما يحتويه، لا يكاد المرء يُخفي طويلًا حقيقة ما في داخله؛ إذ تكشف أقواله وأفعاله عن مكنون نفسه، وتفضح تصرفاته ما يضمره قلبه.
وقد تناولت كتب اللغة والأمثال والأدب هذا المثل بصيغ وروايات متعددة، موضحةً دلالته اللغوية ومعناه العميق.
فقد جاء في مجمع الأمثال للميداني:
«كل إناء يرشح بما فيه، ويروى، ينضح بما فيه. أي يتحلب».
وذكر القلقشندي في كتابه صبح الأعشى رواية أخرى، فقال:
«كل ما يكون في خاطر الإنسان يظهر من الكلام الذي يخرج من فيه،وكل وعاء ما ينضح إلا بما فيه».
وهذا التفسير يقرّب المثل من السلوك الإنساني؛ فالكلام مرآة لما يستقر في النفس، وما يصدر عن الإنسان من عبارات ومواقف قد يكشف عن حقيقة تفكيره وطبيعة أخلاقه، حتى حين يظن أنه قادر على إخفائها.
وروى ياقوت الحموي في معجم الأدباء أبياتًا تجسّد هذا المعنى في المقارنة بين أخلاق المتنافسين في الحكم والتعامل مع الخصوم، فقال:
ملكنا فكـــان العفـــو منا سجـــيةً
فلما ملكـــتم سال بالـــدم أبطــح
وحللتم قـتل الأســـارى وطـــالما
غدونا عن الأســـرى نعف وتصفح
فحسبكـــم هـــذا التفـــاوت بيننا
وكــل إناء بالـــذي فيـــه ينضـــح
وتكشف هذه الأبيات أن حقيقة الإنسان لا تظهر في ادعاءاته، بل تتجلى في أفعاله ومواقفه، ولا سيما حين يمتلك القوة والقدرة على التصرف. فالعفو والتسامح، من جهة، والبطش وسفك الدماء، من جهة أخرى، ليست مجرد شعارات، وإنما سلوكيات تعكس ما تحمله النفوس من قيم ومبادئ.
كما روى الأبشيهي في كتابه المستطرف من كل فن مستظرف أبياتًا ورد فيها هذا المثل، فقال:
سقـــى الله روضاً قد تبدى لناظـــرٍ
به شادن كالغصـــن يلهـــو ويمـــرح
وقد نضحت خـــداه من مـــاء ورده
وكـــل إنـاء بالـــذي فيـــه ينــضــح
وهنا يتجلى المثل في صورة أدبية جميلة، إذ ينتقل من دلالته الأخلاقية إلى صورة حسية تستحضر نضارة الخدود ونداوتها، فيغدو ما يظهر على ظاهر الشيء انعكاسًا لما يحمله في داخله، وهي الصورة التي يقوم عليها المثل في أصل معناه.
ولفهم هذا التعبير فهمًا أدق، لا بد من الوقوف عند الفعل «ينضح» وما يحمله من دلالات في المعاجم العربية؛ فهو ليس مجرد لفظ مجازي، بل يرتبط في أصله بخروج الماء أو الرطوبة أو العرق من الشيء.
فقد جاء في معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي:
والفَرَس يَنْضَحُ: أي يعْرَقُ
والجَبَل يَنْضَحُ: إذا تَحَلَّبَ الماءُ من بين صُخُوره.
والجَرَّة تنضَحُ بالماء: يخرُج الماء من الخَزَف لرِقَّتِها.
ويؤكد هذا المعنى ما ورد في أبيات أخرى استُخدم فيها المثل للتعبير عن انكشاف ما في النفس من ألم وحزن، فقال الشاعر:
يقولون لي والدمــع فرح مقلتي
بنار أسى مــن حبة القلــب تقـدح
أدمعك جــمر قــلت لا تتعجــبوا
فكل وعاء بالذي فيه ينضـــــــح
ففي هذه الأبيات يصبح الدمع تعبيرًا ظاهرًا عن نار الأسى المستعرة في القلب؛ إذ لا تقتصر المشاعر على بقائها حبيسة الداخل، بل تجد طريقها إلى الخارج في صورة دموع أو كلمات أو مواقف. وهكذا تتجسد الفكرة الأساسية للمثل: ما يفيض من الإنسان إنما هو انعكاس لما يعتمل في أعماقه.
أما في معجم المحيط في اللغة للصاحب بن عبّاد، فقد ورد:
والعَيْنُ تَنْضَحُ بالماءِ نَضْحاً وتَنْتَضِحُ، وكذلك الجَبَلُ والجَرَّةُ. واسْتَنْضَحَ الرَّجُلُ في الوُضُوء: رَشَّ على نَفْسِه الماءَ.
والنَّضِيْحُ: العَرَقُ. والرَّجُلُ يَنْضَحُ عن نَفْسِه ما قُرِفَ به: إذا أظْهَرَ البَراءَةَ منه.
وتكشف هذه الدلالات المعجمية عن ثراء الفعل «نضح» في العربية؛ فهو يُستخدم لوصف خروج الماء والعرق، كما يأتي في سياق إظهار البراءة مما نُسب إلى الإنسان. ومن هذه المعاني الحسية تتضح الصورة البلاغية التي يقوم عليها المثل، إذ يُشبَّه الإنسان بالإناء، ويُشبَّه ما يصدر عنه بما يخرج من ذلك الإناء، فيكون الظاهر دليلًا على الباطن.
وهكذا، فإن المثل العربي «كل إناء بما فيه ينضح» ليس مجرد عبارة مأثورة تتردد على الألسنة، بل هو خلاصة حكمة إنسانية عميقة، تؤكد أن الأقوال والمواقف والتصرفات تكشف، بمرور الوقت، عن حقيقة أصحابها. فقد يتقن المرء انتقاء كلماته، وقد يتظاهر بصفات ليست فيه، غير أن سلوكه المتكرر يكشف عن جوهره، كما يكشف ما يرشح من الإناء عن محتواه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جهاد العبادي
7 مشاهدة