
مقال دقيقتان للقراءة
علاقة الجهل بالموروث الثقافي ودور المثقف العربي الفاعل في القضاء على الجهل المتوارث...
يرتبط الجهل والموروث الثقافي بعلاقة جدلية معقدة في المجتمعات البشرية، حيث لا يعني الجهل دائماً "الأمية" أو غياب المعرفة، بل يتخذ في كثير من الأحيان شكل "الجهل المتوارث" أو "الجهل المؤسسي" الذي يلوذ بالموروث الثقافي لحماية نفسه؛ فطبيعة العلاقة بينهما حاضنة للجهل من حيث الترابط الفكري.
ويحتوي الموروث الثقافي لأي أمة على خليط من القيم الإيجابية (كالكرم والشهامة والتضامن) والخرافات والتقاليد البالية (كالتعصب القبلي، وتقديس الأشخاص، والقدرية الاستسلامية)، وعندما يُؤخذ هذا الموروث ككتلة واحدة دون نقد، يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الجهل وتبريره، وهنا تبرز إشكالية التوريث غير الواعي (اللاوعي الجمعي)، حيث تنتقل الأفكار المغلوطة عبر الأجيال كجزء من الهوية الثقافية، ويصبح التشكيك في أي جزء من الموروث بمثابة تشكيك في الهوية نفسها، مما يجعل الجهل محصناً بالعاطفة والانتماء.
وللمثقف العربي دور محوري "تاريخياً وحاضراً" في القضاء على هذا الجهل المتوارث، إلا أن فاعلية هذا الدور تخضع لجهود مستمرة وتحديات كبرى، فقد خاض العديد من المفكرين العرب (مثل محمد عابد الجابري، وطه حسين، ونصر حامد أبو زيد، وأدونيس وغيرهم) معارك فكرية كبرى لتفكيك البنية العقلية العربية ونقد التراث، وفرز الغث من السمين فيه، واليوم يسعى المثقف عبر منصات التواصل الاجتماعي، والمقالات، والكتب، والندوات إلى تبسيط المفاهيم العلمية والفلسفية، ومحاربة الخرافة والتعصب، ومن خلال ترجمة الفكر العالمي وتوطين العلوم، يطمح إلى سد الفجوة المعرفية التي يتغذى عليها الجهل.
ومن أبرز التحديات والمعوقات التي تحد من فاعلية هذا الدور: عزلة المثقف وانفصاله عن الواقع الشعبي، حيث يخاطب النخبة بلغة معقدة لا تفهمها الجماهير الغارقة في الجهل المتوارث؛ إضافة إلى الضغوط السياسية والاجتماعية كخطر الإقصاء، أو التكفير، أو الملاحقة من قبل القوى التقليدية (المؤسسات الدينية المتشددة، أو السلطات السياسية التي تستفيد من بقاء الجهل لضمان السيطرة)؛ ناهيك عن أزمة القراءة وضعف المنظومة التعليمية العربية التي تجعل أطروحات المثقفين محصورة في دائرة ضيقة لا تصل إلى الشريحة الأوسع من المجتمع.
ختاماً.. إن العلاقة بين الجهل والموروث الثقافي هي علاقة تلازمية ما لم تخضع لعملية "نقد ذاتي مستمر"، والمثقف العربي يملك الأدوات والوعي للقيام بهذا الدور، وقد حقق نجاحات اختبرت وعي النخبة، لكن تحويل هذا الدور إلى أثر فاعل وملموس في الشارع العربي يتطلب ردم الفجوة بين المثقف والجماهير.
حلب 2026/10/17 أيمن قدره دانيال | Ayman Kodra Danial
