فنّ التغليف العاطفي
منذ عرف الإنسان الأسواق أدرك أنّ الغلاف نصف البضاعة، وربما أكثر؛ فبرع في فنّ التغليف حتى صارت العلبة الأنيقة تُباع قبل ما في داخلها، وصار الورق اللامع والشريط الملوّن يوهمان بأنّ المحمول أثمن مما هو عليه. وكثيراً ما يكون غلاف الهدية أجمل من الهدية نفسها.
ولم يكن الصراع أقلّ حاجةً إلى الأغلفة؛ فقد غُلّفت الحروب بشعارات التحرير والحماية، وغُلّف الاستعمار بـ المهمة الحضارية، حتى صار الغازي يدخل الديار باسم إنقاذها.
لم يقف هذا الفنّ عند حدود الأسواق وساحات الحروب، بل تسلّل إلى عالم المشاعر، فإذا الإنسان فيه لا يقلّ براعةً عنه هناك.
لقد أدرك العابثون في بحار العواطف أن الكلمات هي ورق التغليف الأنيق للنيّات، فصاروا يغلفون حب التملّك والسيطرة بشريطٍ ملوّن يسمونه الرعاية والاهتمام، ويحيطون الغيرة المرضية بغلافٍ شفافٍ من الخوف المقدس، حتى يغدو الاستغلال الوجداني في عين الضحية تضحيةً تستحق الانحناء.
كم من مشاعر كادسة رُوّج لها في سوق القلوب لأن غلافها كان مبهراً! وكم من سطوٍ على طمأنينة الآخرين وعقولهم مرّ بسلام لأن اللسان بائعٌ محترف، يعرف كيف يختار الكلمات اللامعة التي توهم بأن المحمول أثمن مما هو عليه.
في هذا الفضاء الوجداني، يُذبح الصدق باسم المرونة، ويُكسی الغدر ثوب المعذرة والظروف القاسية، ويتحول التخلي الذليل إلى ترفعٍ وسموٍ نفسي
والأنكى من ذلك كله، هو ذلك التغليف الذي يمارسه الإنسان في خلوته مع مرآته؛ فهو لا يطيق أن يرى روحه عاريةً من الفضيلة، فيلجأ إلى غزل الأغلفة لنفسه، ليقنع ضميره بأن أنانيته محض حق، وأن قسوته مجرد حزم، وأن حبه لذاته هو بحثٌ مشروع عن النجاة.
إنها هندسة الزيف الأنيق التي تجعل العلبة في عالم القلوب -كما في عالم التجارة والحروب- أغلى من الجوهر.
يزول الأشخاص، وتتبدد العواطف، وتذبل الوعود، ويبقى ذلك الغلاف الشفاف المنقوش بعبارات الود والعهد شاهداً على كائنٍ هجر المحتوى، واستلذ العيش في دفء الأغلفة.
ولكن، مهما بلغت براعة الصانع في حَبْكِ العقدة وتنميق الغلاف، فإن للزيف عمراً ينتهي عنده، وللورق اللامع هيبة تتبدد أمام أول عاصفة من عواصف الحقيقة العارية.
لتأتي تلك اللحظة الحاسمة كزلزال مباغت، ينزع عن الأشياء أثوابها المستعارة، ويمزق الشريط الملون بفجاجة لا ترحم الوهامين.
حينها، يسقط غلاف الرسالة الحضارية عن وجه الحرب، فلا تلمح العين إلا الأنقاض، والدموع، والأطماع العارية التي لم تعد تجد ما يستر عورتها.
وفي سوق المشاعر والقلوب، تصبح اللحظة أكثر قسوة؛ إذ يذوب ورق السلوفان الشفاف تحت حرارة المواقف الصادقة، وينكشف غلاف الاهتمام عن مخالب تملكٍ شرسة، وتتعرى التضحية المزيفة لتظهر في صورتها الحقيقية: أنانية مفرطة تقتات على نبض الآخرين.
إنها لحظة الانكشاف الحاد، حيث يقف الإنسان مذهولاً أمام علبه الأنيقة الفارغة، وقد استعادت الأشياء مسمياتها الأولى؛ فالسطو عاد سطواً، والاستغلال بدا استغلالاً، والهدية الثمينة لم تكن سوى وهمٍ صنعته بهرجة التغليف.
في تلك الثانية، تتهشم المرايا المزيفة، ويجابه الإنسان قبح خطيئته دون قناع، ليدرك -بعد فوات الأوان- أن بريق الغلاف مهما طال أمد خدعته، لا يمكنه أبداً أن يمنح الجوهر الفاسد فضيلة البقاء.

33 مشاهدة