
مقال 7 دقائق للقراءة
الشباب بين تفاهة الترفيه ووعي قد يكون مضللًا
بين ما يسرق الوقت وما يخدع العقل لم
لم تعد المشكلة في عصرنا أن المعلومات نادرة، بل إنها أصبحت متاحة بكثرة يصعب معها التمييز بين ما يستحق الانتباه وما يستهلكه، وبين ما يزيد معرفتنا وما يمنحنا شعورًا مؤقتًا بأننا نعرف. يقضي بعض الشباب ساعات في متابعة المقاطع القصيرة والمحتوى الترفيهي المتتابع، بينما يتابع آخرون النقاشات والأخبار والتحليلات، ويظنون أن كثرة ما يشاهدونه تعني بالضرورة اتساع وعيهم. لكن هل كثرة المشاهدة تعني الفهم؟ وهل الاطلاع على القضايا دليل على امتلاك القدرة على تحليلها؟ هنا تبدأ المشكلة التي نريد مناقشتها، لا من باب إدانة الشباب أو التقليل من قيمة الترفيه، بل من محاولة فهم علاقتنا بما نستهلكه من محتوى، وما نخرج به منه.
حين تتحول المتعة إلى استهلاك
الترفيه حاجة إنسانية، وليس عيبًا أن يبحث المرء عن المتعة أو يخصص وقتًا للراحة. وقد تحمل المنصات الرقمية محتوى مفيدًا، وتفتح أبوابًا للتعلم والإبداع والتواصل. لكن المشكلة تبدأ حين يفقد الإنسان السيطرة على وقته، فيدخل لمشاهدة مقطع واحد، ثم ينتقل إلى آخر، حتى يجد نفسه قد أمضى ساعات دون أن يتذكر ماذا أخذ من كل ذلك. ومع تكرار هذا السلوك، قد يتراجع وقت القراءة والتعلم والتواصل الأسري، أو يتأثر النوم والتركيز والإنجاز اليومي. وقد تناولت دراسات عربية ودولية جوانب من هذه العلاقة، وأشارت مراجعة منهجية لدراسات أُجريت في بلدان عربية إلى ارتباط الاستخدام المرتفع أو الإشكالي لوسائل التواصل ببعض مشكلات الصحة النفسية والنوم والأداء الدراسي. لكن الإنصاف يقتضي التنبيه إلى أن الارتباط لا يثبت وحده أن الاستخدام هو السبب المباشر، كما أن النتائج لا تنطبق بالضرورة على كل مستخدم. إذن، ليست القضية كم ساعة نقضي أمام الشاشة فقط، بل ماذا يحدث لحياتنا خارجها.
من كثرة المعلومات إلى وهم الفهم
في الجانب الآخر، قد يكون الإنسان جادًا في متابعة الأخبار والقضايا العامة، ويقرأ التحليلات ويتابع أصحاب الآراء المختلفة، لكنه لا يراجع مصادر معلوماته، ولا يميز دائمًا بين الخبر والتفسير، أو بين الدليل والانطباع. وهنا يظهر شكل آخر من المشكلة: أن تتسع دائرة المعلومات التي نستهلكها، دون أن تنمو بالقدر نفسه قدرتنا على فحصها. قد يسمع المرء رأيًا يتكرر أمامه حتى يألفه، فيظن أن شيوعه دليل على صحته. وقد يشاهد مقطعًا يعرض جزءًا من واقعة، ثم يبني عليه حكمًا كاملًا. وربما يقرأ عنوانًا مثيرًا، فيتبنى مضمونه قبل أن يفتح المادة أو يبحث عن مصدرها. إن معرفة أسماء الأحداث والشخصيات، وحفظ بعض المصطلحات، والقدرة على الحديث بثقة عن القضايا، لا تكفي وحدها للحكم على عمق الفهم. فالمعرفة ليست في جمع المعلومات فحسب، بل في معرفة حدودها، وفهم سياقها، والقدرة على التمييز بين ما نعرفه فعلًا وما نظن أننا نعرفه.
حين يلتقي استهلاك الوقت باستهلاك الأفكار
هل يؤدي الإفراط في الترفيه إلى تصديق المعلومات المضللة؟ ليس من الدقة أن نقول ذلك على نحو مطلق. فقد يقضي شخص وقتًا طويلًا في الترفيه دون أن يكون سهل الانقياد وراء الشائعات، وقد يقع شخص قليل الاستخدام للمنصات في التضليل بسبب التعصب أو ضعف التحقق أو الثقة الزائدة بمصدر بعينه. لكن المسارين قد يلتقيان لدى بعض المستخدمين، حين يصبح التلقي سريعًا ومتواصلًا، ويقل الوقت المخصص للتأمل والمراجعة. فالمنصات لا تعرض المعلومات بالطريقة نفسها، والمحتوى المثير قد يجذب الانتباه أكثر من المحتوى الهادئ، بينما يسهل تداول الادعاء المثير قبل التحقق منه. وتشير البحوث المتعلقة بالمعلومات المضللة إلى أن تصديقها لا يرتبط بعامل واحد؛ إذ تتداخل فيه عوامل معرفية وعاطفية واجتماعية، وقد يستمر أثر المعلومة الخاطئة حتى بعد تصحيحها. وهذا يعني أن المشكلة ليست في الترفيه وحده، ولا في كثرة المعلومات وحدها، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع ما نشاهده ونسمعه ونصدقه. فقد يكون الإنسان غارقًا في المحتوى الترفيهي، وقد يكون غارقًا في الأخبار والجدالات، لكن كليهما يحتاج إلى أن يسأل نفسه: هل أستخدم المحتوى بوعي، أم أتركه يقود انتباهي وأحكامي؟
الشباب في مواجهة بيئة معقدة
من السهل أن نلقي اللوم على الشباب، وأن نصفهم بقلة الاهتمام أو ضعف الوعي، لكن هذا التفسير وحده لا يكفي. فالشاب يعيش في بيئة رقمية تتنافس فيها المنصات على وقته وانتباهه، وتتدفق أمامه الأخبار والآراء والإعلانات والمقاطع دون توقف. وفي الوقت نفسه، قد لا يحصل على تدريب كافٍ في المدرسة أو الجامعة أو الأسرة على التحقق من المعلومات، وفهم أساليب التأثير والإقناع، ومناقشة الأفكار المخالفة. وهنا تتوزع المسؤولية بين الفرد وأسرته ومؤسساته التعليمية والإعلامية والمنصات التي تصمم تجارب الاستخدام وتؤثر في ما يراه الناس. ولا يعني ذلك إعفاء الفرد من مسؤوليته، بل وضعها في سياقها الصحيح. فالوعي لا ينمو بمجرد مطالبة الشباب بالتوقف عن استخدام الهواتف، وإنما يحتاج إلى بدائل مفيدة، وتعليم يدرّب على التفكير، وبيئة تشجع السؤال والنقاش، ومحتوى يستحق الوقت الذي يُمنح له.
كيف نختبر وعينا؟
لا يحتاج الإنسان إلى أن يصبح باحثًا متخصصًا كي يتعامل مع المعلومات بمسؤولية، لكنه يحتاج إلى عادات بسيطة يداوم عليها؛
أولًا: اسأل عن المصدر من نشر المعلومة؟ وهل يمكن الرجوع إلى مصدرها الأصلي؟ وهل نقلها من يملك معرفة مباشرة بالموضوع، أم يعيد تداول ما سمعه؟ ثانيًا: لا تكتفِ بالعنوان قد يكون العنوان صحيحًا لكنه ناقص، وقد يعرض المقطع جزءًا من الحقيقة ويترك ما يغير معناها. اقرأ السياق قبل إصدار الحكم. ثالثًا: ميّز بين الحقيقة والتفسير وقوع الحدث شيء، وتفسير أسبابه شيء آخر، والتنبؤ بنتائجه شيء ثالث. لا تمنح التفسير درجة اليقين التي تمنحها للواقعة المثبتة. رابعًا: اختبر رأيك أمام الرأي المخالف ليس كل مخالف جاهلًا أو سيئ النية، وليس كل من يوافقك على حق. حاول فهم الحجة المقابلة قبل رفضها، وابحث عما يمكن أن يثبت خطأ موقفك. خامسًا: راجع أثر المحتوى في حياتك اسأل نفسك: هل أخرج من استخدامي للمنصات بمعرفة أو مهارة أو متعة حقيقية؟ أم أستهلك الوقت ثم أشعر بالندم؟ وهل أصبحت أكثر فهمًا للقضايا، أم أكثر ثقة بأحكام لم أختبرها؟ هذه الأسئلة لا تمنحنا حصانة كاملة من الخطأ، لكنها تساعدنا على تقليل احتمالات الوقوع فيه.
من المتلقي إلى الإنسان الواعي
لا نريد شبابًا يتركون الترفيه كله، ولا شبابًا ينشغلون بالقضايا الجادة لمجرد الظهور بمظهر المثقفين. نريد إنسانًا يعرف كيف يستمتع دون أن يستنزف وقته، وكيف يتابع الأحداث دون أن يستسلم لكل ما يقرأ، وكيف يغير رأيه حين يظهر له ما يستحق المراجعة. فالوعي ليس كثرة الكلام عن القضايا، ولا القدرة على الرد السريع، ولا امتلاك موقف من كل حدث. إنه القدرة على التمييز، والاستعداد للتعلم، والشجاعة في الاعتراف بعدم المعرفة حين لا تتوافر الأدلة الكافية. وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى مبدأ التثبت في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] وهو مبدأ يذكرنا بخطورة بناء الأحكام على الأخبار قبل التحقق منها، وبأن التسرع قد يقود إلى ظلم الآخرين أو الوقوع في الخطأ. وفي النهاية، ليست المعركة بين الترفيه والثقافة، ولا بين الهاتف والكتاب، بل بين استخدام واعٍ لما نملكه من أدوات، واستخدام يتركها تستولي على وقتنا وتوجه أحكامنا دون مراجعة. فهل نقيس وعينا بما نستهلكه من محتوى، أم بما نستطيع فهمه والتحقق منه وتغيير مواقفنا على أساسه؟ ربما يكون هذا السؤال بداية جيدة لاستعادة شيء من وقتنا، وشيء أكبر من ذلك: قدرتنا على التفكير بأنفسنا.
مراجع للاستزادة
مشري عبد الرؤوف وفارح سمير (2025)، «الترفيه الرقمي للشباب عبر وسائط التواصل الاجتماعي وتأثيره على جودة العلاقات الأسرية»، مجلة الأكاديمية الدولية للعلوم النفسية والتربوية والأرطفونيا.
حافظ، مروة فوزي عبدالعليم، وحمزة، طارق محمد عبدالوهاب (2024)، «تحليل مسار العلاقات بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتفكير النقدي لدى الشباب»، مجلة كلية الآداب، جامعة الفيوم.
Fayez, H. et al. (2026). Digital media literacy and perceived fake news handling skills among Arab social media users: evidence from a cross-national survey. Frontiers in Communication.
Alansari, A. N. et al. (2026). A systematic review of social media impact on psychological well-being among children, adolescents, and young adults in Arab countries. Asian Journal of Psychiatry.
Ecker, U. K. H. et al. (2022). The psychological drivers of misinformation belief and its resistance to correction. Nature Reviews Psychology.
#غواص_المعاني أغوص في بحر القراءة... لأعود بدرة.💎 #مجتمع
