
مقال 4 دقائق للقراءة
متمردة كالمطر
متمرّدة كالمطر
ليلتي ماطرة وما كان للمطر فيها يد سوى أنّه جاء على هيئة امرأة أقبلت من غيمٍ لا أعرف أين استظلّت به ولا من أيّ سماءٍ اقتبست رِقّتها ولا كيف اهتدت إلى تلك المسالك الوعرة من روحي حتى استقرّت في موضع ما كنت أحسب أنّ للدهر إليه سبيلاً فيا عجبًا لها من أين لها بهذه الغيوم الشفيفة وهي التي إذا مرّت خلّفت في القلب رعودًا لا تهدأ وأثارت في الصدر من عواصف الوجد ما تعجز عن وصفه ألسنة الشعراء وكيف صادفت تلك السحائب التي لا تُرى ثم جاءتني منها مبتلّةً بأسرارها كأنّها قطعت بحارًا من الحنين وعبرت مواسم من الأسى لتلقي على عتبة قلبي بعضًا من غيثها وبعضًا من جفافها لقد جاءت على غير ميعاد فاختلّت بمجيئها موازين خريفي وتبدّلت في حضرتها طبائع الأشياء فما عاد للذبول حكمٌ على أغصاني ولا للخريف سلطانٌ على ما تبقّى من اخضراري أضحت آرائي التي كنت أعدّها حصونًا منيعةً أوهى من خيوط العنكبوت وتهاوت معتقداتي التي طالما احتميت بها كأنّها لم تكن سوى جدرانٍ أقامها خوفي فجاءت هي لا لتطرق أبوابها بل لتمرّ من خلالها كما يمرّ الضوء في شقوق العتمة وما أشدّ فتنتها حين تتربّع على عرش الروح لا تستأذن ولا تعتذر ولا تترك للكبرياء موضعًا تستريح فيه أجدني أمامها أخلع عن لساني زينة القول وألقي بين يديها ما يطرأ على خاطري من حديثٍ لا أجرؤ على البوح به لسواها؛ فما عدت أُحسن التكتّم ولا أملك أن أُحكِم إغلاق الأبواب على ما بي كأنّها وحدها تملك مفاتيح تلك الغرف الموصدة في داخلي وكأنّ قلبي على ما ألف من المراوغة والإنكار قد أقسم ألّا يتقن الصمت في حضرتها إنّها متمرّدة كالمطر لا تعرف للأرض عهدًا، ولا للسحاب قيدًا ولا تُقيم في موضعٍ حتى يظنّ أهلُه أنّها لهم. فيها من السُّمّ ما يفتك باليقين ومن الرقة ما يُنسي الجرح أنّه جرح ومن الإجحاف ما يجعل المرءَ يخاصم قلبه ثم يعود إليه خاسرًا معتذرًا مستسلمًا تُقبل كأنّها البشارة ثم تمضي تاركةً خلفها من الأسئلة ما لا تجيب عنه السنون ومن الوحشة ما لا تملؤه مواسم الغيث وأعجب ما فيها أنّها تسقي أراضي الآخرين وتفيض على حقولٍ لم تُنبت لها شوقًا وتمنح من غيمها لمن لم يعرف قدر السحابة إذا أظلّته حتى إذا أقبلت على أرضها، وأوشكت جذورها أن تستغيث من الظمأ أدارت وجهها عنها ومضت تسقي البعيد كأنّ القرب لا يستحقّ الرحمة وكأنّ أشدّ القلوب حاجةً إلى الحنان هو أقلّها حظًّا منه ولعمري أيّ مفارقةٍ هذه أن يكون في المرء من الغيث ما يُحيي موات الآخرين ثم يبيت في داخله قفرٌ لا تهتدي إليه قطرة أن يهب الناس من روحه ما يرمّم تصدّعاتهم ثم يعود إلى نفسه فلا يجد في يديه ما يسدّ به شقًّا واحدًا من شقوقها ولعلّها لا تدري أنّ السحابة مهما جادت إن لم تمطر أرضها يومًا تآكلها العطش من حيث لا يشعر بها أحد. ولست أدري أألومها على جفائها أم أعذرها لأنّها لا تحسن أن تكون لروحها ما هي عليه لأرواح الآخرين أأعاتبها لأنّها لا تمنحني من فيضها ما تمنحه للعابرين أم أكتفي بأنّها مرّت بي ذات خريف فبدّلت في داخلي أسماء الفصول وأقنعت قلبي بأنّ بعض الغرباء أقرب إلينا من أنفسنا وأنّ المرءَ قد يُفتن بما يؤذيه لا لجهله بالأذى بل لأنّ في المؤذي شيئًا لا يُشبه سواه آهٍ من امرأةٍ لا تُشبه النساء في شيءٍ إلا في قدرتها على أن تكون وطنًا ومنفى في آنٍ واحد تفتح في الروح نافذةً على السماء ثم تتركها مشرعةً للريح لا تُعطيك وعدًا فتخلفه بل تمنحك ما هو أشدّ من الوعد فتكًا تمنحك احتمالًا والاحتمال إذا استوطن القلب طال عذابه إذ لا هو يقينٌ يُطمئن ولا هو يأسٌ يُريح فإن سألوني عنها قلت هي غيمةٌ ضلّت طريقها إلى السماء فآثرت أن تمطر في القلوب وهي خريفٌ عصي لا يرضى أن يُسقط أوراقه حيث ينبغي وربيعٌ بخيلٌ لا يُزهر إلا في حدائق الآخرين هي القصيدة التي كلّما هممت بختامها ابتدأت والجرح الذي لا أرجو له شفاءً بقدر ما أخشى عليه من النسيان وأمّا أنا فقد آثرت الصمت لا عجزًا عن العتاب ولكن لأنّ بعض العتاب يُفسد هيبة الشعور ولأنّني أدركت أنّ المطر لا يُستوقف بالنداء ولا تُؤمر الغيوم أن تمكث حيث تشتهي الأرض سأدعها تمضي إن شاءت غير أنّني لن أزعم أنّها مرّت عابرة فقد تركت في أعماقي ما لا تمحوه الرياح وأيقظت في صدري فصولًا حسبت أنّها انقضت إلى الأبد فلتكن متمرّدةً كما تشاء وليكن لها من السماء ما لها ومن الأرض ما تختار أمّا أنا فسأظلّ أذكر ليلتي التي أمطرت فيها روحي لا لأنّ الغيث كان وافرًا بل لأنّني عرفت يومها أنّ أشدّ أنواع العطش قسوةً أن تقف تحت غيمةٍ تحبّها وأن تراها تمطر الدنيا كلّها ثم تمضي عنك دون أن تبتلّ تلك هي متمرّدة كالمطر لا يُؤلمك منها أنّها لا تأتي، بل أنّها تأتي فتُزهر بك ثم تتركك وحدك تواجه قحطك سمية
