
مقال 4 دقائق للقراءة
من القصص القرآني.. الهدهد في سبأ
قراءة في القصص القرآني
كتب/أحمد النظامي «الميزة الأكبر، والأعظم، والأهم للقصص القرآني: أنَّ مصدره الله “جلَّ شأنه”: فحينما نقرأ قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ}[الكهف: من الآية13]، {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ}[يوسف: من الآية3]، فمصدره الله وكلام الله قرآن كريمٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ...وهذه ميزة عظيمة جداً.. وللقصص القرآني غاياته التربوية وأهدافه العظيمة في الرّقي بالإنسان وتزكيته وتهذيبه.. لهذا سيتناول المقال قراءة موجزة في قصة الطائر العجيب « الهدهد »وما جرت عبره من أحداث قصة نبي الله سليمان _عليه السلام_ وملكة سبأ غيّرت مجرى التاريخ . ينطلق الهدهد مسرعاً صوب سماء اليمن للمرة الثانية بعد أن عاد بالنبأ السبئي اليقين , ولم يكن ذلك النبأ تبريراً لغيابه عن نبي الله سليمان فحسب، بل كان إيذاناً باتساع رقعة الإسلام ودخول قوم سبأ في دين الله رب العالمين. لقد حمل الهدهد رسالةً نبوية المحتوى ،مفادها الدعوة إلى الإسلام وتوحيد الله الواحد الأحد ، ويهبط ليلقي بالرسالة في سبأ بحسب التوجيهات النبوية { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تولىٰ عنهم فانظر ماذا يرجعون }. لنرى كيف كانت أصداء الرسالة السليمانية في القصر الملكي ،بل في دولة سبأ بأكملها!! لقد أحدثت تغييرات جذرية في الدولة السبئية ، نلمح البعد السياسي للملكة الحكيمة إزاء التعامل مع الخطاب الكريم ومدى استجابتها للتغيير من خلال الإجراءات الشوروية التي قامت بها ،لقد حاولت بحسب إدراكها ونظرتها التأكد مما إذا كانت الرسالة قادمة من (نبي) سماوي الدعوة ,أم ملك سلطوي الحكم يهفو إلى السلطة ،وهذا ما عبرت عنه بإرسال الهدية..{ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْـمُرْسَلُونَ }من سورة النمل- آية (35). لم تقرر ذلك إلا بعد أن دعت لاجتماع طارئ تجلىٰ فيه مبدأ الشورى ،مؤكدةً أنها لم تكن لتقطع في الأمر وتنفرد باتخاذ القرار إلا بموافقة وأخذ رأي الجميع وهذا ما صوره القرآن الكريم :{ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْـمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ}32 وهكذا أرتأت إرسال الهدية معللةً سبب حيرتها بالقول:{ قَالَتْ إِنَّ الْـمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} من سورة النمل- آية (34). والسؤال هنا لماذا ربطت دخول الملوك بالافساد ؟! ؛ لأنه دخول بشهوة الملك ونزعة الاستيلاءوالاذلال والاخضاع، فساد يشمل جميع النواحي والأبعاد الحياتية للغزو الخارجي { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ }. لكن كانت المفاجأة أن سليمان _عليه السلام _ليس ملكاً أو غازياً محتلاً، بل نبياً مرسلاً يدعو إلى الإسلام وتوحيد الله ،يدعو إلى السمو الروحي وترك عبادة الكواكب والمخلوقات.. فكان الأمر النبوي بارجاع الهدية ؛ إذ لا مجال للمساومة والمجاملة، والاسترضاء والتودد على حساب الدين وعظمة الرسالة { فَلَـمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ }من سورة النمل- آية (37). وهنا تأتي الاستجابة للدخول في دين الله وبإسلام الملكةبلقيس تدخل سبأ في الإسلام دين العزة والعدالة ؛ لتدرك أنها بهذه النقلة النوعية والنور المبين كانت قبله في مرحلة مظلمة تستدعي الندم: { قالت ربِّ إنِّي ظَلَـمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَـمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَـمِينَ}. ولنا في هذا السياق عدد من الدروس والعبر القيمة والدلالات بشكل مختصر: • قالت في خطابها (أُلقي إليّ كتابٌ) ولم تقل وصلني كتابٌ؛ للدلالة على سمو المرسل ومكانته ، فالفعل ألقي المبني للمجهول يفيد العلو والارتفاع بمعنى أنه من مصدر رفيع ،فحامل الرسالة ليس من فصيلة البشر بل أجمل الطيور ،ومحتوى الرسالة يدعو إلى العزة والرفعة الخالدة ،والمرسل هو نبي مرسل من الله العلي العظيم ،وهكذا أدى الفعل ( أُلقي) وظيفته بكل جمالٍ وكمال...كما أن الصفة للكتاب بالكريم دليل على عظمة الاسلام ثم حُسن التجاوب والاستقبال والتعاطي من قبل الملكة السبئية مع الدعوة إلى دين الله. • غيرة الهدهد على عبادة غير الله ،وحرصه على هداية الآخرين دعوة لنا جميعاً لتزكية الأمة وتحصينها من الشرك والضلال. • التناغم ووحدة الصف الداخلي والمبدأ الشوروي هو من جعل القوة الضاربة وقوم سبأ بمختلف فئآتهم يفوضون بلسان واحد { نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ }من سورة النمل- آية (33). وهكذا دخلت سبأ دين الإسلام وعرفت الطريق إلى الله الواحد الأحد ،بعيداً عن عبادة الشمس والكواكب
