
مقال 6 دقائق للقراءة
حين تصبح الشاشة مربِّيًا... كيف تؤثر وسائل التواصل في أخلاق أبنائنا؟
المقال الرابع من سلسلة: الأخلاق بين واقع مؤلم وأمل في الإصلاح ـــــــــــــــــــــــــــــــ،
في المقال الأول، وقفنا أمام سؤال المسؤولية حين تتراجع الأخلاق. وفي المقال الثاني، دخلنا البيت، حيث تبدأ التربية وتتكون البذور الأولى للشخصية. ثم خرجنا في المقال الثالث إلى الشارع، وتأملنا أثر رفقة السوء وضغط الأقران في سلوك الأبناء. واليوم، نفتح بابًا آخر لا يقل تأثيرًا عن البيت والشارع؛ باب العالم الرقمي، حيث يقضي كثير من أبنائنا أوقاتًا طويلة بين مقاطع الفيديو، والتعليقات، والألعاب، والمنشورات التي تتدفق أمام أعينهم بلا توقف. لم تعد الشاشة مجرد وسيلة للترفيه أو التواصل، بل أصبحت نافذة يطل منها الأبناء على أفكار وسلوكيات ونماذج بشرية متنوعة. وقد يجدون فيها العلم والإبداع والصداقة النافعة، كما قد يصادفون محتوى يستخف بالآخرين، أو يمجّد العنف، أو يجعل الإهانة وسيلة للضحك والشهرة. وهنا يبرز سؤال مهم: هل نترك الشاشة تشارك في تربية أبنائنا دون أن نعرف ماذا يتعلمون منها؟ حين تصبح الإهانة مادة للضحك قد يشاهد الابن مقطعًا يسخر فيه شخص من آخر، فيضحك المتابعون، وتنهال التعليقات التي تشجع صاحب المقطع على المزيد. وقد يرى مشهدًا يتباهى فيه أحدهم بإحراج إنسان أو التقليل من شأنه، فيظن أن ذلك نوع من خفة الظل، أو طريق إلى الشهرة، أو وسيلة لكسب إعجاب الآخرين. ومع تكرار هذه المشاهد، قد يعتاد بعض الأبناء رؤية الإهانة وكأنها أمر عادي، وينسون أن وراء كل شخص يُسخر منه مشاعر وكرامة لا يجوز الاستهانة بهما. لكن علينا أن نكون منصفين: ليس كل ما يُعرض على الإنترنت ضارًا، وليس كل طفل يشاهد محتوى سيئًا سيقلده. فالتأثير يتفاوت بحسب عمر الابن، ووعيه، والبيئة التي يعيش فيها، وطبيعة المحتوى، ومدى وجود توجيه وحوار من الكبار. المشكلة ليست في الشاشة وحدها، بل في غياب القدرة على التمييز بين ما يستحق المشاهدة وما ينبغي رفضه. الشهرة ليست دليلًا على القيمة من الظواهر التي تستحق التأمل أن بعض المحتويات تحصد اهتمامًا واسعًا لأنها مثيرة للجدل، أو تقوم على الاستفزاز، أو تعرض مواقف محرجة للآخرين. وقد يظن الابن أن كثرة المشاهدات تعني أن صاحب المحتوى جدير بالإعجاب، وأن انتشار المقطع دليل على صحته أو قيمته. لكن هل كل مشهور قدوة؟ وهل كل ما يضحك الناس يستحق أن نفعله؟ وهل يصبح السلوك مقبولًا لمجرد أن آلاف الأشخاص شاهدوه؟ إن القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بعدد المتابعين، ولا بقدرته على إثارة الضحك أو الجدل، بل بما يحمله من علم وخلق، وبما يتركه من أثر طيب في الآخرين. علينا أن نعلم أبناءنا أن الشهرة قد تكون فرصة لنشر الخير والمعرفة، لكنها لا تمنح أحدًا حق إهانة الناس أو انتهاك خصوصياتهم. التنمر الإلكتروني... أذى لا ينتهي بانطفاء الشاشة قد يعتقد بعض الأبناء أن الإساءة عبر الإنترنت أقل خطورة من الإساءة وجهًا لوجه، لأنهم لا يرون أثر كلماتهم مباشرة. لكن التعليق الجارح قد يصل إلى مئات الأشخاص، والصورة المحرجة قد تنتشر خارج نطاق من نشرها، والكلمة التي يكتبها المرء في لحظة غضب قد تظل متداولة مدة طويلة. إن التنمر الإلكتروني ليس مجرد خلاف عابر، بل قد يتحول إلى انتهاك للخصوصية وإيذاء للكرامة الإنسانية. ولهذا يجب أن يتعلم الأبناء أن ما لا يجوز قوله في وجه إنسان لا يصبح مقبولًا لمجرد كتابته خلف شاشة، وأن احترام الآخرين واجب في الواقع وفي العالم الرقمي على السواء. كما ينبغي أن يعرفوا كيف يتصرفون إذا تعرضوا للإساءة: ألا يشاركوا المحتوى المؤذي، وأن يحتفظوا بما يلزم لإبلاغ شخص بالغ موثوق، وأن يطلبوا المساعدة من الأسرة أو المدرسة أو الجهات المختصة عند الحاجة. أين دور الأسرة في زمن الشاشات؟ ليس الحل أن نعلن الحرب على التكنولوجيا، أو أن نمنع الأبناء من كل ما هو رقمي؛ فالعالم يتغير، والتقنية أصبحت جزءًا من التعليم والعمل والحياة. لكن من الخطأ أيضًا أن نترك أبناءنا وحدهم أمام عالم واسع، ثم نفاجأ بما يتعلمونه منه. إن مسؤولية الأسرة اليوم لا تقتصر على تحديد وقت استخدام الأجهزة، بل تمتد إلى بناء الوعي الرقمي والأخلاقي. ومن أهم الخطوات التي يمكن أن نبدأ بها: أولًا: الحوار بدلًا من الاكتفاء بالمنع. نسأل أبناءنا عما يشاهدونه، وما الذي يعجبهم، وما الذي يثير استغرابهم، ونناقش معهم المحتوى بهدوء، دون أن نجعل كل حديث معهم تحقيقًا أو اتهامًا. ثانيًا: القدوة في استخدام التكنولوجيا. لا يصح أن نطالب أبناءنا بترك الهواتف بينما ننشغل نحن بها طوال الوقت، أو أن نمنعهم من نشر الإساءة بينما نتداول نحن صور الآخرين وأخبارهم دون مراعاة لخصوصيتهم. ثالثًا: تعليمهم التفكير النقدي. نساعدهم على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين المزاح والإهانة، وبين الرأي الذي يختلف معنا والمحتوى الذي يحرض على الأذى. رابعًا: تنظيم الاستخدام بما يناسب أعمارهم. نضع قواعد واضحة ومتوازنة، ونستفيد من أدوات الأمان والرقابة الأبوية المناسبة، مع احترام خصوصية الأبناء المتزايدة كلما نضجوا، وشرح أسباب القواعد لهم. خامسًا: توفير بدائل ممتعة ونافعة. فالقراءة والرياضة والفنون والأنشطة الاجتماعية تمنح الأبناء فرصًا لاكتشاف أنفسهم وبناء علاقات حقيقية، بدلًا من أن تصبح الشاشة عالمهم الوحيد. لا نريد أبناء يخافون من الإنترنت... بل أبناء يعرفون كيف يتعاملون معه إن هدف التربية الرقمية ليس أن نزرع الخوف في نفوس الأبناء، بل أن نمنحهم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح. نريد ابنًا يعرف أن بإمكانه إغلاق مقطع لا يليق به، ورفض المشاركة في السخرية من الآخرين، والتحقق من معلومة قبل نشرها، واحترام خصوصية أصدقائه، وطلب المساعدة عندما يواجه ما لا يستطيع التعامل معه. نريد أن يدرك أن وراء كل حساب إنسانًا، وأن وراء كل صورة حياة وخصوصية، وأن الكلمات التي يكتبها قد تترك أثرًا لا يراه بعينيه. فالتربية الأخلاقية لا تتوقف عند باب البيت، ولا تنتهي حين يخرج الابن إلى الشارع، بل ينبغي أن ترافقه أينما ذهب، حتى عندما يكون وحده أمام شاشة صغيرة. كلمة أخيرة لقد أصبح العالم الرقمي جزءًا من البيئة التي ينشأ فيها أبناؤنا، ولا يمكننا أن نعزلهم عنه، كما لا يجوز أن نتركه يؤدي دور المربي دون وعي منا. فإذا أردنا أن نحمي أخلاقهم، فعلينا أن نعلّمهم كيف يستخدمون التكنولوجيا دون أن تسمح لهم التكنولوجيا بأن يفقدوا احترامهم لأنفسهم وللآخرين. إن الشاشة قد تعرض أمام الابن آلاف النماذج، لكن القدوة التي يعيشها في بيته، والحوار الذي يجده مع أسرته، والوعي الذي نبنيه داخله، يمكن أن تساعده على اختيار ما ينفعه ورفض ما يضره. فلنجعل التكنولوجيا نافذة للعلم والإبداع، لا بابًا للإساءة والتقليد الأعمى. ولنتذكر أن الأخلاق الحقيقية تظهر في كل مكان: في البيت، وفي الشارع، وفي المدرسة، وحتى في كلمة يكتبها الإنسان ولا يراه أحد. وفي مقالنا الخامس، سننتقل من تشخيص مصادر التأثير إلى سؤال الإصلاح العملي: كيف نعيد غرس الأخلاق في نفوس أبنائنا؟ وهل تكفي النصائح، أم أننا بحاجة إلى تربية تقوم على القدوة والحوار والمسؤولية؟ وللحديث بقية...
بقلم / أحمد عزيز الدين أحمد كاتب وروائي وشاعر
