
مقال دقيقتان للقراءة
شعر وشعراء
وهكذا استمر الزجل في التطور والسمو بالهدف والمعنى والمضمون، حتى نصل إلى بزوغ مصطلح «شعر العامية» على يد والد الشعراء، فؤاد حداد، الذي سيكون بداية المقال القادم ضمن هذه السلسلة عن شعر وشعراء العامية.
في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، لم يكن الناس يعرفون مصطلح «شاعر العامية»، بل كانوا يعرفون الشاعر فقط؛ ذلك الرجل الذي ينظم الأبيات الشعرية العمودية باللغة العربية الفصحى. وكان هناك آخر ينظم أزجالًا باللغة العامية الدارجة، خالية من المعنى والمضمون، وكان هدفها فقط الربح، الذي لم يكن يتجاوز قروشًا قليلة تكفي للزاد، أو ربما الحصول على أنواع مختلفة من الطعام، كالبيض والأرز وغيرهما.
وهنا أُطلق عليه لفظ «الأدباتي»، بينما أُطلق على الأول لفظ «الأديب». ولعلنا، بشيء من التدقيق، يمكننا القول إن هذا هو ذاك؛ فالأدباتي كان رجلًا يلبس طرطورًا، ويحمل طبقين يضرب أحدهما بالآخر، فيصدران صوتًا يضبط به إيقاع الزجل الذي سيقوله، ثم يخلع طرطوره ويلف به على الحضور، فيضعون فيه القروش والزاد. بينما كان الأديب رجلًا أكثر هندمةً في لباسه ومنظره، يحفظ تراث الأقدمين، وتتم دعوته إلى بيوت الذوات والأعيان وجلسات السمر ليتلو على الناس أشعاره وأشعار من سبقوه. وكثيرًا ما كانت أجرته عشاءً أو وجبةً في بيت صاحب الدعوة، ليكون الأديب، بالتدقيق، عبارة عن أدباتي أكثر احترامًا.
ظل الحال هكذا حتى ظهر عبد الله النديم، الذي كتب زجلًا بارى به كبار زجالي مصر في تلك الفترة. ومع تزايد نفوذ الأجانب في مصر في عهد إسماعيل بن محمد علي باشا، رأى النديم أنه يجب عليه أن يقوم بواجبه في توعية الناس، وأن يصدح بقضايا بلده؛ فكتب الأزجال العامية وضمّنها المعاني والأهداف الوطنية. فعلت قيمة هذا الزجل، وحفظه الناس لما تسلل إلى قلوبهم فسكنها، وآمنوا جميعًا به وبمضمونه، حتى قامت الثورة العرابية، فكان الجميع خلف عرابي بوعي وإدراك.
واستمر الزجل بصورته تلك يعلو ويرتقي، حتى أوصل به بيرم التونسي هذا الفن إلى مرحلة مهمة جدًا من الاحتجاج على الظلم والفساد، وكذلك بديع خيري، الذي زقزق سيد درويش بكلماته، فكان لهما أعظم الأثر في قيام سعد زغلول بثورة 1919، ومساندة جميع طوائف الشعب له.
وهكذا استمر الزجل في التطور والسمو بالهدف والمعنى والمضمون، حتى نصل إلى بزوغ مصطلح «شعر العامية» على يد والد الشعراء، فؤاد حداد، الذي سيكون بداية المقال القادم ضمن هذه السلسلة عن شعر وشعراء العامية.
