
مقال 4 دقائق للقراءة
حين يمتحن القلب بوعد ......
حين يُمتحَن القلب بوعدٍ لا يجيء
لعلّ أشدّ ما يلقاه المرء في الحبّ أن يُؤخذ إلى مستقبلٍ لم يبلغه بعد ثم يُترك عند عتبته لا يدري أيدخل أم ينصرف فالوعد متى وقع في قلبٍ صادق لم يبقَ لفظًا عابرًا إنّه يستحيل في النفس صورةً لما سيأتي وتبدأ الروح في تهيئة موضعٍ لذلك الآتي حتى لكأنّه صار من جملة ما تملك وهكذا كان الانتظار لم أكن أحسب أنّ لكلمةٍ واحدة أن تغيّر هيئة الأيام في عيني حتى وجدتني أترقّب ما كنت أظنّه أمرًا هيّنًا صرت ألتفت إلى انقضاء النهار كأنّ فيه خبرًا خفيًّا وأستعيد الحديث الذي دار بيننا أتلمّس من ألفاظه ما يطمئنّ إليه فؤادي وكان أعجب ما في أمري أنّني كلّما حاولت الانشغال عنه عاد إليّ من حيث لا أحتسب في خاطرٍ يطرقني أو ذكرى تستيقظ من غفلتها أو أمنيةٍ صغيرة تنمو في صدري حتى تستولي عليه وللانتظار حيلةٌ لا تكاد النفس تفطن إليها فهو يُحسن إلباس الظنّ ثوب الحقيقة قد يتأخّر المرء في الوفاء بوعده فيجد له المحبّ عذرًا ثم يتكرّر التأخّر فيتّسع العذر حتى يغدو الرجاء نفسه دليلًا يستند إليه صاحبه وليس ذلك من قلّة العقل كما قد يظنّ من لم يذق هذا المقام إنّما هو من غلبة التعلّق فإنّ النفس إذا رغبت في أمرٍ عزيز ثقل عليها أن تنظر إليه مجرّدًا من أمنياتها وقد تأمّلت طويلًا في سر ذلك السلطان الذي يكتسبه الغائب على يومنا كيف يستطيع إنسانٌ لا نراه أن يستأثر بهذا القدر من تفكيرنا وكيف يغدو خبرٌ ننتظره أهمّ من أمورٍ كانت بالأمس تملأ أوقاتنا ثم بدا لي أنّ الإنسان لا يشتاق إلى الشخص وحده بل إلى ما انفتح في نفسه حين عرفه إلى الطمأنينة التي ذاقها بقربه وإلى المعنى الذي أضفاه حضوره على أشياء لم يكن يلتفت إليها ومن هنا يصعب على المرء أن يتخلّى عن انتظاره إذ يخال أنّ انصرافه عنه إقرار بأنّ ما رجاه لم يكن جديرًا بالرجاء فيظلّ وفيًّا لما تصوّره وقد يطول به المقام حتى ينسى أنّ الوعود لا تُعرف حقائقها عند التلفّظ بها وإنّما عند الوفاء ولعلّ في هذا ما يفسّر طول صبر بعض المحبّين فهم لا ينتظرون مجيء من أحبّوا فحسب بل ينتظرون أن تستقيم الحكاية على الصورة التي آمنوا بها غير أنّ للقلب مهما أوغل في التعلّق حقًّا في أن يفهم ما يجري له فليس من العدل أن يظلّ المرء يستخرج الأعذار من صمته ويستمدّ اليقين من إشاراتٍ تحتمل وجوهًا شتّى إنّ المحبّة التي نرجو لها البقاء جديرةٌ بالوضوح لأنّ الغموض إذا طال أرهق الشعور نفسه وأحال أجمل ما في النفس إلى سؤالٍ لا ينقطع ولست أرى في مطالبة المحبوب بالوضوح جفاء ولا في الاعتراف بالتعب نقصًا في الوفاء إنّما هي رغبة المرء في أن يعرف موضع قدمه وأن يُبقي لقلبه كرامته وهو يحب فقد يظلّ الودّ عزيزًا بعد انقضاء الرجاء وتبقى الذكرى جميلةً وإن لم يُكتب لها أن تصير حياةً مشتركة وليس في ذلك ما ينتقص من صدق التجربة فبعض ما يمرّ بنا يترك أثره فينا ثم يمضي إلى حيث لا نملك استرداده وأحسب أنّ النضج في الحبّ يبدأ حين يكفّ المرء عن اتخاذ شدّة تعلّقه برهانًا على أنّ مراده لا بدّ أن يتحقّق فالرغبة مهما صدقت لا تكشف وحدها عن نصيبنا من الأشياء وقد نحبّ إنسانًا حبًّا عظيمًا ثم نكتشف أنّ الطريق الذي تخيّلناه معه لم يكن طريقه وحينئذٍ لا يكون المطلوب أن ننكر ما شعرنا به بل أن نفهمه على حقيقته ونمنحه قدره من غير أن نحمّله ما لا يحتمل ولعلّ أشقّ ما في هذا الفهم أن يأتي بعد طول انتظار حين تكون النفس قد ألِفت الترقّب حتى صار جزءًا من عاداتها عندها يحتاج المرء إلى شيءٍ من الرفق بنفسه فلا يوبّخها على إخلاصها ولا يزدري الأيام التي أمضاها في الرجاء فما كان صادقًا في وقته لا يصير كذبًا لمجرّد أنّه لم يبلغ غايته وإذا سألتني ما الذي يبقى للإنسان بعد كلّ هذا قلت يبقى له أن يصون المعنى الذي عاشه وأن يتعلّم ألّا يجعل مصيره معلّقًا بإرادةٍ لا يملكها فإن جاء الوصل استقبله بقلبٍ عرف قيمة ما نال وإن لم يأت استطاع أن يمضي من غير أن يطعن في ماضيه أو ينكر ما كان له فيه من حياة إنّما يُمتحَن القلب حقًّا حين يطول انتظاره أفيحفظ للمحبّة مكانتها أم يسمح لها أن تستأثر بكلّ ما بقي له من العمر ولعلّ الجواب لا يأتي في لحظةٍ واحدة بل يتكشّف ببطء كلّما تعلّم الإنسان أنّ الوفاء لا يقتضي أن يهمل نفسه وأنّ للوعود حرمةً لا تكتمل إلا حين تجد طريقها إلى الفعل سمية
