لا تحكم على الصفحة الأولى
سياج من ياسمين
كان الصباح في دار "الشيخ سالم" يبدأ دائماً برائحة القهوة المحمصة على هدوء، وخطوات "حامد" الحانية التي تلامس خشب البلاط العتيق بخفة، كأنها تخشى أن توقظ ظلال الأمس قبل أوانها. حامد لم يكن مجرد خادم أو مساعد في ذلك القصر القديم الذي تكالبت عليه جدران الزمن، بل كان الروح التي تبقي نبض المكان حيًا، والرئة التي يتنفس بها شيخٌ طعن في السن وأنهكته الأيام. منذ خمسة عشر عاماً، حين أُغلق باب القصر الكئيب على سالم بعد رحيل زوجته وانصراف أبنائه في زحام الحياة ومطامع الميراث، ظل حامد الدرع الحصين، والظل الذي لا يفارق صاحبه في سكناته وتحركاته.
كان حامد يتجسد كرمزٍ حي للوفاء النادر؛ يضبط مواعيد الدواء بدقة متناهية لا تخطئها الثانية، وينظف النظارات الطبية بحركات رقيقة تنم عن حب عميق، ويجلس في العتمة ليستمع إلى حكايات سالم المكررة عن أيام شبابه وأمجاده الغابرة بعينين تطفحان بالاهتمام والإنصات الشديد، كأنه يسمعها للمرة الأولى في حياته. وحين كانت تقرع أبواب القصر أصوات عائلة سالم المطالبة برؤيته، أو بالحديث عن بيع أثاث القصر التاريخي لتسوية ديونهم المزعومة، كان حامد يقف في وجههم بصدره العريض وهدوئه الحكيم. كان يغلق الباب الكبير في وجوههم بابتسامة حازمة ولكنها خالية من القسوة، قائلاً بصوت دافئ نابع من حرصه المقنع: "السيد سالم لكي يعيش ما تبقى له من العمر، يحتاج إلى السلام والسكينة، وليس إلى جشعكم وصراعاتكم التي تسلب شبابه المتبقي".
كان يظهر أمام الجميع كالمدافع الأول والأخير عن شيخوخة متروكة، والملاذ الآمن الوحيد لرجل أنهكه التقدم في العمر وغدر المقربين. لم يكن أحد ليشُك في أن هذا الرجل يضحي بحياته ووقت حريته من أجل حماية مسنٍّ أعزل.
لكن الحكايات العميقة لا تنتهي أبداً عند السطح البرّاق، والنفوس البشرية تضم في طياتها غرفاً معتمة لا يدخلها النور بسهولة. في أحد أيام الخريف الهادئة، وبينما كان حامد غارقاً في ترتيب أوراق سالم القديمة وإزاحة الغبار عن الرفوف العالية في غرفة المكتب المعتمة، سقط مجلد جلدي عتيق من بين فكَي إحدى الخزانات. انفتح المجلد برفق، وتطاثرت منه أوراق صفراء تفوح منها رائحة الزمان، خُطّت بخط يد مهتز ولكنه كان واضحاً تماماً للعيان. لم تكن المذكرات ملكاً لسالم وحده، بل كانت عبارة عن رسائل متوالية ومتبادلة بينه وبين ابنته الصغرى "منى"، التي طالما أصرّ حامد أمام الجميع على أنها هجرت أباها وركضت خلف حياتها الخاصة دون أن تسأل عن صحته.
كانت الرسائل تعود لأعوام طويلة مضت، تحمل بين سطورها توسلاتٍ فاجعة، ودموعاً مرسومة على الورق، ورغبة جامحة في زيارة الأب وتقبيل يديه، مسبوقة بعبارات استجداء موجهة إلى حامد نفسه. كانت منى تتوسل إليه أن يمنحها وإخوتها فرصة لدخول القصر ورؤية أبيهم ولو لساعة واحدة دون علم الصحافة أو الأقارب. وعلى ظهر إحدى الرسائل الأخيرة، وُجدت ملاحظة بخط يد حامد نفسه، دُوّنت بخط صريح لا يحتمل الشك: "رفضت الطلب مجدداً.. سالم لا يتحمل صدمة رؤيتهم أو استعادة الماضي، هدوءه في عزلتي الكلية عنه هو نجاته الوحيدة وحمايتي له".
باتت الحقيقة تتأرجح في عتمة الغرفة كبندول ساعة قديمة؛ هل كان هذا المنع الشديد والقبضة الحديدية لحماية سالم حقاً من أطماع أبنائه، أم أن حامد كان يحمي شيئاً آخر يرقد في أسرار روحه؟
في المساء نفسه، دخل حامد غرفة سالم ومعه كوب الحليب المعتاد صفيّاً ودافئاً. كان سالم جالسًا أمام النافذة الخشبية المطلة على الحديقة المهملة، يحدق في شجرة الياسمين العتيقة التي تنسدل أغصانها كستائر حداد ناعمة. وضع حامد الكوب بحنو على الطاولة المجاورة، وقال بصوته الدافئ المعتاد الذي يبعث على الطمأنينة:
ليلتك هادئة يا سيد سالم.. العالم الخارجي في الأسفل مليء بالضجيج والزيف، ونحن هنا في حصننا العالي نعيش في سلام تام لا يمسه أحد.
التفت سالم ببطء شديد، وعلت وجهه ابتسامة شاحبة تحمل في طياتها بريقاً غريباً لم يعهده حامد من قبل، ثم قال بصوت خفيض ينضح بالحكمة ويشبه حفيف الورق الجاف:
يا حامد.. أشعر أحياناً أنني لست في حصن كما تقول، بل في مرآة جدارية كبيرة، أراك فيها وأنت تحميني من نفسي، أو ربما تحمي نفسك مني ومن وحدتك.
تجمد حامد في مكانه لثوانٍ معدودة، وشعر بكوب الحليب كأنه جبل ثقيل. حاول أن يعيد ترتيب ابتسامته المعتادة بسرعة، لكن شيئاً عميقاً في عينيه انكسر وسال كالمعنى الضائع. جلس على المقعد القش المقابل للشيخ، انحنى بجسده إلى الأمام، وبصوت خافت يخالطه خرير الدموع الحبيسة اعترف بما لم يكن يتوقعه أحد، وبما ظل يكتمه في صدره لعقود:
منذ ثلاثين عاماً كاملة يا سيد سالم، تركتني ابنتي الوحيدة وسافرت بعيداً خلف حلم زائف ولم تعُد قط.. لم تترك لي خبراً ولا أثراً. غرقتُ يومها في فراغ قاتل مظلم، لم يملأه أو ينقذني من الجنون سوى رعاية أبيك في أيامه الأخيرة، ثم تكريس حياتي برمتها لرعايتك أنت. حين أرى يداً تُمدّ من الخارج لتأخذك مني، أو تقترب من هذا القصر ولو لزيارة عابرة، يرتجف قلبي خوفاً من أن أصحو يوماً فلا أجد أحداً أحتاج إليه، أن أعود إلى ذلك الفراغ المرعب الذي كاد يبتلع وجودي. أنا لا أغلق الباب في وجه أبنائك لأنهم جشعون فقط، بل لأنني أخشى أن يذكروك بأن الحياة أوسع وأجمل من هذا القصر المظلم، وأنك لست ملكاً لظلالي وخوفي وحدي.
صمت القصر بأسره وسكت الهدوء. لم يعد حامد هو "الحارس الأمين" الذي يرتدي ثوب الملاك الناصع، ولم يتحول كذلك إلى شرير طامع؛ بل وُجد أمام حقيقة إنسانية أعمق وأكثر إيلاماً. لقد كان قيد الحماية والسجن الذي فرضه على سالم مصنوعاً من الحب الخالص، ومن الخوف البشري الأصيل والمدمر من الفقد والوحدة. حامد لم يكن جباراً أو خائناً، بل كان إنساناً مهشماً أحب بطريقة خنقت الآخر وأبقت عليه، وأغلق الأبواب على صديقه الوحيد لئلا يُغلق باب قلبه هو للأبد.
هكذا تظل النفوس المعقدة معلقة بين نور الحنين العفيف وظلمة الخوف الأنيق، حيث لا تظهر الحقيقة الكاملة دائمًا في الصفحة الأولى.
شرين شوقي عامر

3 مشاهدة