من المعسكر فوق غرناطة ( قصة قصيرة )
من المعسكر فوق غرناطة ( قصة قصيرة )
...
بقلم : سهل أبو معلا ( أبو فارس معلاوي )
..
بينما كنتُ في نهاية العقد الثاني من عمري،
وفي ذلك اليوم العميق من تاريخي الطويل الذي سيتقدم لاحقاً، كنتُ أقفُ عند بائع الفلافل ودخان سيجارتي يجثو فوق ضباب الصباح، قَدِمت فتاة تخطو على شارع المعسكر تترنح مقبلة، لا أعلمُ هل هي من تهتز أم أن الطريق يرتجف إجلالاً لوجهها الصبوح، بقوامٍ أشبه بزوبعة تلتف حول معسكرنا المُحطم، تخطو وكأنها فوق قصر الحمراء في غرناطة، سَحَقَ شذاها رائحة زيت الفلافل حول المكان، صوت طائرة الاستطلاع اختفى تدريجياً، وكأن سطلاً من دهان الألوان اندلق على واجهة جدران المنازل، وعددُ المارين والواقفين والجالسين على أعتاب منازلهم رغم قلتهم، جعلوا يُحملقون بها مثلي تماماً، لا أحد يسترق النظر بخبث، إنما بفجاجة قمنا بافتراسها، نستدير إذا ما استدارت ونشرأب إذا ما عصف موج الهواء جسدها اللوزي، إلى أن انتهى هذا الكرنفال الصباحي بعدما ركبت سيارة أجرة محطمة الأبواب والنوافذ، حينها عادت رائحة زيت قلي الفلافل تدس مخالبها في أنوفنا، وذابت ألوان الطلاء عن الجدران، وعادت طائرة الاستطلاع.
تمعرت الأوجه، صوت أبواق العربات ينبح ككلب مسعور، عُدتُ لغرفتي بصحن فول جامد الوجه خشن الملمس، عُدتُ لأكمل بقية دراستي فسأمتثل بعد ساعتين لامتحان نهائي في الجامعة.
اليوم وبعد عشرين عاماً بينما كنتُ أقف مُحاضراً في إحدى أعظم الجامعات في المملكة المتحدة، كنت أتحدث وبكل حماسة عن حضارة امتدت ثمانمائة عامٍ، إنها الأندلس العظيمة! بعد أن سيطر الأمويون على شبه الجزيرة الأيبيرية في سنوات يسيرة، حينها أكلنا الفنون أكلاً، وتذوقنا الموسيقى وتنفسناها كنسائم الصباح، ونفضنا العلم حول العالم، وافترسنا الفلك في أحضان السماء، وتربعتْ أحجارنا تتهندس كراقصة تتلاعب حول صولجان، وحين قدم الغالب بالله زعيم بني الأحمر بلحيته الحمراء ليأمر ببناء قصر الحمراء فوق هضبة سبيكة فأصبحت بعد مائة وخمسين عاماً أزهى معالم شبه الجزيرة الأيبيرية.
في هذا اليوم رأيتها مجدداً! بينما كنتُ أخطو نحو عربتي من بوابة الجامعة، كان المشهد سريعاً، وأيضاً، ركِبَتْ تاكسي وتبخرت بين زحام المدينة العجوز!
كيف أتت؟ ماذا تفعل هنا؟ هل ستعود؟ كومة من الأسئلة كادت تقتلني!
بعدما هدّأتُ من روعي، بدأتُ أفكر كيف كانت! بدت وكأنها لم تكبر، لم يتغير شيء، رغم كثرة الحسناوات والشقراوات هنا إلا أنه ليس كمثلها أنثى على صحن هذه الأرض.
تخيلتُ وكأنها تقف فعلاً فوق قصر الحمراء، والجواري في الأسفل حاسرات الرأس ينتظرن أوامر فاتنة المعسكر التي تتربع فوق غرناطة بأكملها. وفوق قلبي مذ كنت طالباً بائس الحال.
..
من مجموعتي القصصية ( ساعات من العشق وسنوات من الجنون )

23