
مقال 3 دقائق للقراءة
الوالد (فؤاد حداد)
عن الفؤاد الكبير الذي تُوّج، بكل استحقاق وعناء، بلقب والد الشعراء، دون الدخول في معارك شخصية، وبلا شوائب نفسية كانت تسود المحافل، حينما كان قراره: «الناس بتاكل بعض، مش واكل».
في سنة ١٩٥١، ظهرت مجموعة من القصائد بالعامية المصرية في ديوان يحمل عنوان «أحرار وراء القضبان» للشاعر فؤاد حداد، جاء فيه، على سبيل المثال:
«فيه سجن مبني من حجر
وسجن مبني من قلوب السجانين
قضبان بتمنع عنك النور والشجر
زي العبيد مترصصين»
ويقول الشاعر الكبير صلاح جاهين، عندما قرأ هذه الأبيات:
«هالني أن أقرأ نظمًا بالعامية يسير في طريقه الخاص، ويستمد منطقه من نفسه».
كان هذا انقلابًا في شعر العامية المصرية، الذي كان قبل ذلك عبارة عن أزجال، أغلبها يمكننا أن نصفه بالتفاهة. وفجأة، يأتي أحد جنود العامية الجدد البارزين، فيقود الانقلاب ويجلس على كرسي الحكم العامي، مرسخًا الشكل والمضمون والأدوات الجديدة.
لقد رأى فؤاد حداد أن الشعر العربي الفصيح يتضمن صورًا شعرية مختلفة، واستعارات وكنايات وتورية ودلالات وما وراء تلك الدلالات، ثم فكّر في أن العامية قادرة أيضًا على أن تتضمن كل هذا. ولكن، من هو ذلك الجواهرجي النادر الذي يستطيع صياغة الكلام بما يؤدي ذلك الغرض؟ حتى وجد نفسه رائدًا موهوبًا استطاع أن يبدأ، وما إن بدأ حتى انطلق، وما إن انطلق حتى شرب من مُدامه كل مزامليه وكل من جاء بعدهم، وحتى الآن.
«بكفاية أربّع قوافيكي
وصبح الأربع أوافيكي
واموت شهيد مستوفيكي
يا معلمة بنت معلم
لابسة شجر هندي مقلم
ان بوست رجلك هاتي سلم
أوصل الى مستوى فيكي».
هذه السباعية العامية المصرية قد جمعت كل أدوات وعناصر الصنعة الشعرية، وهذا هو الانقلاب الذي قصدته. فلم يقل في حبه لمصر: «بحبك يا مصر واموت فداكي»، كما اعتاد السابقون، بل جعلها قصيدته التي يكتبها مربّعًا فيها القوافي، وموعده الذي سيلقاه في الصباح. وتمنّى أن يصل ويرتقي فقط إلى «فيها»، لأنه ما زال عند قدمها، معبّرًا عن قيمتها، وأن التعابير، مهما علت، فإنها قاصرة عن أن توفيها حقها.
هذا المصري الأصيل، مع أنه ذو أصول شامية، استطاع أن يُبرز، بحبه لمصر، مدى أهمية شعر العامية وشعرائها.
وضمّن أشعاره أيضًا قضايا وطنه، وسجن وسلب حريته، ولكنه تنفّس شعرًا أيضًا في سجنه. فعندما حلم، كما حلم المصريون جميعًا، بالفجر الذي أذّن له عبد الناصر، ثم انهارت الآمال جميعها بكبت الحريات وبالسجون والمعتقلات، كتب من المعتقل:
«شفت الشمس بتعمل لمبة وألف فراشة حرقها النور».
كتب في كل المجالات، وفي كل القضايا الإنسانية والحياتية، وفي المشاعر المختلفة والمتناقضة، حتى إنه كتب بلسان الحيوانات، فأبدع أيّما إبداع. فبلسان الفأر الخائف المتردد دائمًا، المراقَب حتى في بحثه عن قوت يومه، قال:
«الليلة دي القط بايت على البلاطة
احنا كنا اتنين وجه تالت تلاتة
قال له ضد الموت ما تنفع الاستماتة
بس قولوا يا دراوشة
رقصي اسمه دوشة روشة
او مناوشة اوشة اوشة
او شماتة».
ولو أطلقت العنان لقلمي للتحدث عن هذا البحر الذاخر، لما توقف القلم، ولو بمئات المقالات. ولكنني أكتفي بذكر هذا النزر اليسير، والتلميح القصير، عن الفؤاد الكبير الذي تُوّج، بكل استحقاق وعناء، بلقب والد الشعراء، دون الدخول في معارك شخصية، وبلا شوائب نفسية كانت تسود المحافل، حينما كان قراره:
«الناس بتاكل بعض، مش واكل».
