قلعة الأرض
وراء نهرين من خمر ومن عنب
تزهو المدينة في ثوب من الذهب
تختال في جبة التاريخ زاهية
من بعد أن جادت الأيام باللقب
كانت تجود على الدنيا ببسمتها
إذا تكدر وجه الشمس بالغضب
لا صولة الريح في الاعصار تدركها
فهي العصية في أبنائها النجب
تزهو لترسم أحلاما ملونة
وباب مدرسة يهدى لكل صبي
تصحو على البوح من ترتيل مئذنة
ينساب كالضوء بين الشجو والطرب
تبدو بساحة ( راجستان) وادعة
بعد السنين التي مرت من الحقب
مدينة شيدت بالحب فاحتشدت
بالأولياء وبالنساك والكتب
الذكر يعبق في شتى مساجدها
ففي المحاريب صوت الذكر والخطب
طير يسبح أشجار تفيض سنا
وصوت شيخ بذكر الله منتحب
هذي سمرقند تاج الشرق جوهرة
تشع بالفتنة الزرقاء في القبب
لم تأخذ الحرب شيئا من معالمها
وعن صعود ذرى الأمجاد لم تتب
فقلعة الأرض منذ البدء ما فتئت
ترد غزو ظلام الليل كاللهب
كم حاول الليل أن يغتال أنجمها ؟
وكم توالى عليها الدهر بالنصب ؟
لكنها أشرقت في العلم وائتلقت
وصارت الآن تجري في مدى السحب
لمحتها في الضفاف السمر تبسم لي
تقول: زرني ولا تسأل عن السبب
زرني لتبصر ما أبقيت من ألق
في كل بيت لنجم الصبح منتسب
فقمت من قريتي في القدس أقصدها
بما تيسر من شعري ومن أدبي
هتفت بالروح لما باللقا سكنت
هاقد وصلت إلى الآمال فانسكبي
وقلت للنفس في سر أبشرها
لما تجسد لي التاريخ عن كثب :
أواحة من جنان الخلد هاربة ؟!
أم أنها الجنة الخضراء في الكتب ؟!
أم أنها نفحة الرحمن في زمن ؟!
يموج بالشك والتزوير والكذب
أحفاد تيمور شادوا للعلا وطنا
وخلفوا آية في الحسن والعجب
هنا النقوش تناديني لأقرأها
والزركشات على الجدران تهتف بي
أصغيت للرمل يروي لي حكايته
عن الجيوش التي ذابت من التعب
عن المدارس تصحو وهي باسمة
للظامئين إلى أنوار كل نبي
عن ابن سينا يداوي مهجة عشقت
بالحب وسط طلول العالم الخرب
عن الذي صاغ فينا نور فلسفة
حتى يرى ما وراء الموت والحجب
لا زال ( أولغ ) يعلو فوق مرصده
يرمي التحية للأفلاك والشهب
في السوق كنت مع الخيام منشغلا
بفائض الشك والويلات والريب
والآن أرجع بالذكرى إلى وطني
فلتذكريني فإني الشاعر العربي
# حسن قطوسة