
مقال دقيقتان للقراءة
مقتطفات من شجاعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
وَيل أمّه مِسعَر حَربٍ لو كان له أَحَد ..
وَيل أمّه مِسعَر حَربٍ لو كان له أَحَد ..
في أعقاب صلح الحديبية، ردَّ النبي صلى الله عليه وسلم أبا بصير الثقفي إلى المشركين للصلح الذي كان عقد بينهم، فلم تهن قوّته ولم يقنط، بل فكّر كيف يخرج من فتنته ولم ينتظر كيف ضياع فرصته فرصة طول الطريق وقلة العدد.
روى عروة بن الزبير رضي الله عنه أنه حين رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاء أبو بصير -رجل من قريش- وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا؟، فدفعه إلى الرجلين.. فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى برد، وفَرَّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذُعرا، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قَتَلَ -والله- صاحبي وإني لمقتول.. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد)، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر ..
قال الخطابي رحمه الله: وعَرَّضَ للرجال المستضعفين أولي العزم أمثاله أن يلحقوا به، فخرج رضي الله عنه وحيداً شريداً طريدًا حيث لا أصحاب ولا أرض، بهمّة الرجال التي تُقام بهم الدول، وبدأ في بناء قاعدة عسكرية بعيدة عن المدينة على ساحل البحر سرعان ما زاد عدد رجالها.
ففي الصحيح: وينقلب منهم أبو جندل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بِعِيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرَّحِم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ)..
فانظر كيف استطاعت عصبة من أولي العزم أصحاب الهمم أن تكسر جبروت قريش وتجعلها تتوسل في رد شرط كانت تظنه ويظنه المسلمون أنه مذلة ودنِيَّةً في الدين وحسبك أن تعلم الخاتمة المفرحة المبكية لأسد الساحل، قال الحافظ في الفتح: "فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بصير، فَقَدِمَ كتابه وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده فدفنه أبو جندل مكانه".
