
مقال 5 دقائق للقراءة
حين تغيب الأمز
حين تغيب الأم يصبح العالم أكثر قسوة
ما أثقل الحياة حين تغيب الأم! مهما أظهر الإنسان من بأس، وأحسن إخفاء انكساره خلف ابتسامة هادئة أو كلمات عابرة، يظل في الأعماق موضع موجوع، يعرفه جيداً كل من خبر العيش بعد رحيلها. فالأم إن غابت، غاب معها ركن ركين؛ طمأنينة كانت تسكن تفاصيل الأيام، وملاذ يتسع لكل المخاوف، ويد حانية يكفي امتدادها لتستقيم الدنيا وتطيب.
رحيل الأم وجع يتجاوز حدود الحزن المعتاد؛ إنه فقدٌ للسند، وافتقاد لجزء أصيل من الروح، وانتقال إلى عالم تتغير فيه مذاقات الأشياء، وتفقد الأفراح شيئاً من بهجتها، وتغدو المناسبات السعيدة مشوبة بفراغ لا يدرك كنهه إلا القلب. قد يبلغ الإنسان من العمر عتيّاً، ويحقق من النجاح ما يلفت الأنظار، ويحظى بمحبة الجموع، ثم يشعر أمام أدنى موقف بأنه طفل يبحث عن أمه، يريد أن يضع رأسه على كتفها ليستريح من عناء الوجود كله.
الأم ليست شخصاً يعابر أيامنا؛ إنها وطن صغير نحمل مفاتيحه في الصدور، وحين نغادره أو يغادرنا، ندرك كم كانت الحياة آمنة في رحابه.
كم مرة تردد ذلك السؤال الذي يحمل في ظاهره دهشة، وفي أعماقه عتاباً أو حيرة: كيف تعيشين بلا أم؟
كنت أستقبل التساؤل بابتسامة باردة، ثم أجيب بسكينة: أعيش كغيري من البشر، والحمد لله.
كان الجواب يبدو مكتملأً، وربما أوحى لمن يسمعه بأن الأمر هين ميسور، غير أن الكلمات التي ننتقيها أمام الملأ غالباً ما تواري خلفها حكايات طويلة من الصمت. فالمرء يتعلم كيف يواصل مسيره، وكيف يؤدي واجباته، ويواجه أيامه، ويضحك حين تستدعي اللحظة الضحكة، ثم يمضي. أما ما تضطرم به السرائر فحكاية أخرى تبقى طيّ الكتمان أعواماً.
ومع كرّ الأيام، نتيقن أن وجود الأم نعمة تتجاوز حدود الرعاية والاحتياج؛ إنها خبرة الحياة متجسدة في قلب يحبنا، وبصيرة تنبهنا إلى ما تغفله أعيننا، وحكمة تمنحنا إياها امرأة سبقتنا إلى دروب ما زلنا نتهيب السير فيها.
العيش بلا أم يعني أن تخوضي التجربة وحدك، وأن تواجهي أسئلة العمر من دون ذلك الصوت الذي يهدئ الحيرة، ويضع اليد على موضع الخطأ، ويمنح الثقة عند التردد. يعني أن تمرّي بلحظات الضعف باحثة عن حضن يحتوي الارتباك، وعن كلمة تخفف وطأة الثقل، لتكتشفي أن عليك متابعة الطريق بما استمسكتِ به من صبر وإيمان.
ويعني تبكير النضج، واعتساف المسؤوليات في سن مبكرة، وخوض غمار التجارب بقدر أقل من الدراية، متمنية وجود تلك المرأة التي تُستفتى في كل ما يستغلق على الفهم. كم من سؤال صغير ظل معلقاً في القلب، وكم من قرار غدا أوعر حين غابت المشورة النابعة من محبة صادقة وتجربة عميقة!
وقد تتعثرين، وتخطئين، وتعيدين ترتيب الأفكار مراراً، حتى تتعلمي التمييز بين ما ينفع وما يستنزف الروح، وبين الصادق ومن يتخذ من الطيبة جسراً لمصالحه. وفي كل مرة تنهضين فيها بمفردك، تتشكل في الروح قدرة أصلية على احتمال الحياة ومواجهة تقلباتها.
ورغم ذلك، يظل حنين الأم استثناءً لا يُشبه؛ فقد تجدين من يشجعك على النجاح، ومن يساندك في الشدة، ومن ينصحك حين تضيق الخيارات، غير أن لكل محبة طابعها، ويبقى للأم مقام لا يملؤه أحد مهما صدقت نيته.
أي وجع ذاك الذي تحقّقين فيه إنجازاً طال انتظاره، ثم تلتفتين باحثة عن وجهها! أن تسمعي بشارة فتتمني أن تكون أول من تخبرين! أن تمرّي بكرَب فتشتاقي إلى صوتها وهو يختصر المخاوف بكلمات معدودة، لتدركي فجأة أن بعض الأبواب قد أُوصدت تماماً.
إن فقد الأم كسر عميق يترك أثراً بيناً في محطات العمر كله؛ في بهجة تحملينها ولا تجدين من يشاركك تفاصيلها، وفي حزن تخفينه بينما تمنين النفس بالبكاء بين يديها بلا حاجة إلى تبرير أو تفسير.
لكن الحياة، على قسوتها، تفسح للإنسان مساحات للنمو، وتمنحه أحياناً من التجارب ما يغير بوصلة نظته إلى نفسه والعالم. وقد يصير الألم باباً لفهم أعمق للآخرين، فيرق قلب من خبر الفقد، ويتسع صدره للمثقلين بالمحن، ويزداد إدراكاً لقيمة الكلمة الطيبة، واليد الممتدة، والأمان المفقود.
وهكذا تنبثق المنحة من قلب المحنة؛ حين يتحول المعايَن إلى حكمة، والافتقاد إلى رحمة تمنح للآخرين، والانكسار إلى قوة تعين على النهوض. بيد أن الاعتراف بنضج الألم لا ينتقص من قسوته، ولا يجعل الفقد أمراً هيناً، فبعض الأوجاع تظل نازفة وإن أتقنا العيش معها.
وإلى كل فتاة تعيش بمعزل عن أمها، أو فقدتها في ركب العمر، أو حُرمت قربها لظروف تتجاوز طاقتها: امنحي نفسك حق الحزن، وارْفقي بقلبك حين يشتاق، ولا تقيسي قوتك بقدرتك على كتمان الدموع. القوة الحقّة تكمن في معرفة مواصلة المسير مع احتفاظك بإنسانيتك ورقتك، وجعل الوعي درعاً والإيمان نوراً يضيء الخطوات.
وإن كانت الأم بعيدة الجسد وهي على قيد الحياة، فتلك ضربة أخرى من ضربات الوجع؛ غياب مادي يبقي على أسئلة شائكة، وأمنيات معلقة، وشوق يتأجد مع كل طيف يمر بالذاكرة. وفي هذه المسافات الشائكة، تظل الرحمة باباً مستحقاً، والكلمة الطيبة قدرة على ترميم ما أفسدته الظروف، متى صفت النوايا.
أما أنتِ، يا من وهبك الله أماً جوارك، فاعلمي أن قربها غنيمة تستوجب الشكر، وأن الأيام الجامعة بينكما تحوي من الكنوز ما لا يتبين المرء قيمته كاملة إلا حين تتبدل الأحوال.
أحسني إليها، وأكرميها، وانتقي كلماتك بحنو. امنحيها من وقتك واهتمامك، وأصغي إلى حكاياتها ولو تكررت، واتركي لها مساحة للحديث عن مخاوفها وذكرياتها؛ فهي اليوم أحوج ما تكون إلى قلب يصغي إليها كما أصغت يوماً لبكائك، وإلى يد تسندها كما أسندتك في خطواتك الأولى.
لا تحجبك مشاغل الحياة عن تفاصيلها الصغيرة؛ سؤالها عن يومها، حرصها على راحتك، ودعاؤها الرافق لك أينما حللتِ. تذكري أن برها يجاوز حدود الخدمة إلى حفظ الكرامة، والرفق بها وقت الضعف، والتماس العذر عند الخطزل، ومخاطبتها بما يليق بمكانتها السامقة في الروح.
ومهما علا شأنك وارتفعت مكانتك، ستظل الأم صاحبة الفضل الأجل، وسيبقى الدعاء والإحسان إليها من أرفع وجوه الوفاء. وإن كان رضا الله غاية السالكين، فإن بر الوالدين أوسع أبواب الخير وأقرب القربات.
كوني لأمك عوناً وموئلاً وحضناً يستريح إليه تعب الطريق، واجعلي وجودك طمأنينة لها، قبل أن تتحول التفاصيل الحية إلى ذكريات لا تترك سوى لوعة الحنين.
فالأم حكاية لا تنتهي بالغياب، وأثر دائم في الاختيارات، والكلمات، وفي طريقة منح الحب لمن حولنا. قد ترحل عن الأعين، لكنها تبقى في دعاء صادق، وذكرى دافئة، وملامح متجددة في وجوه الأبناء، وعادة طيبة ورثناها عنها دون أن ندري.
رحم الله أمهاتنا اللواتي رحلن، وطيّب ثرى الغائبات، وجعل ذكراهن نواراً في القلوب، وجبر خواطر المفتقدين لحضانهن في ليل الضعف والاشتياق.
اللهم ارحم الأمهات والآباة، أحياءً وأمواتاً، وأعنّا على بر من بقي، واغفر لمن سبقونا إلى جوارك، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك، واجعلنا من الأبناء الأوفياء. بقلم/ شرين شوقي عامر
