النسيان
ليس النسيان أن يغيب الماضي عن الذاكرة، بل أن يغيب أثره عن النفس؛ فقد يستحضر المرءُ الحادثةَ كأنها وقعت بالأمس، ولا يجد في نفسه منها شيئًا، وقد ينسى من ماضيه ما لا يستطيع استحضاره، ثم يمضي عمره أسيرًا لأثره، لا يدري أيُّ ذكرى أورثته هذا الخوف، ولا أيُّ حادثةٍ علّمته هذا النفور.
ولعلّ أعجب ما في النسيان أن المرء قد ينسى ما صنع به الألم، ولا ينسى كيف صار بعده؛ فتغيب الحادثة، ويبقى الطبع الذي خلّفته، ويزول السبب، ويستمرّ أثره كأن النفس قد حفظت من ماضيها نتيجته، وأضاعت طريق الوصول إليها.
فكم من ماضٍ غاب عن الذاكرة، ولم يغب عن صاحبه؛ وكم من إنسانٍ ظنّ أنه تجاوز ما حدث له، وإنما تجاوز تذكّره، وظلّ يحمل منه ما لا يعرف له أصلًا.
21