
مقال 4 دقائق للقراءة
حياتي
ورحمة ربك خير مما يجمعون
لا أرى الحياة شيئاً متكاملاً أو واضحاً كي أستطيع وصفها.. يأتي يوم أراها عبارة عن عبث لا معنى لها، فهي -أي الحياة- لا تستحق التعب أو التشبث بها، حتى إنها لا تستحق أن أعيشها.. ثم يأتي يوم آخر فأراها أنها تستحق العيش والاهتمام والتفاني من أجلها.. الحياة جميلة كاللحظات الأولى في الاكتشاف.. كأول الحب.. إنها تستحق أن ننتبه لها ونجملها ونعيشها.. ثم يأتي يوم آخر أكرهها وأتمنى أن لا أبقى فيها حياً.. أغادرها ولا ندم عليها.. ثم يأتي يوم آخر أتمنى أنني لم أولد في هذه الحياة، فهي لا تستحق الاحترام، وإنها عبارة عن عذاب وشقاء وظلم.. ثم يأتي يوم آخر وأتمنى أن لا تنتهي هذه الحياة، فهي لذيذة وممتعة.. ثم يأتي يوم آخر أراها أنها بسيطة لا تعقيد فيها، إنما الناس يحاولون تعقيدها لتكون أكثر معنىً.. ثم يأتي يومٌ آخر فأراها أنها عبارة عن غموض، والحياة جمالها في تعقيدها.. بل هي ليست بسيطة، بل معقدة وشائكة ويصعب فهمها.. ربما إن سمة الحياة ذلك المزاج والرفاه الذي ترى فيه الحياة.. وما الحياة إلا كل ذلك وأكثرُ..
ليتني أتمكن من تعليم البشرية درسًا واحدًا، ولسوف أغادر بعده هذا الوجود مطمئنًا، فكرة يتيمة فقط، ثم سأكفّ بعدها عن الكلام، وإني لأقسمنّ لهم أنها فكرة حقيقية ومفيدة، وصحيحة دائمًا، وأن كلّ الملائكة الذين تحدثوا قالوا بها. كل الحكماء الذين طهَّرتهم الحياة، أولئك الذين بلغوا أقصى ذروة للحكمة، كانوا يرددونها في كلامهم دائمًا، ولقد صادفتها، مكتوبة ومنطوقة في أماكن كثيرة، بما في ذلك جدران الكهوف، قبل أن يكتشف الإنسان اللغة، كانت رسوماته البدائية توحي بهذه الفكرة:
مهما بلغ بك البؤس ذروة عليا، دمك ينزف من كل خلية، حتى لو كنت في اللحظة الأخيرة وقد قررت الرحيل، مغلقة أمامك كل الدروب، حين لا يُبقي الألم موضع شعرة في روحك، وقد صرت محشرجًا، تُحدق في قبرك، ممسكًا قطعة الكفن في يديك. في كل لحظاتك، أي ظرف أنت فيه، وأي مكان تسكنه، ولو كنتَ محاطًا بمجتمع من الملائكة، أو البشر الزاهدين عن كل ممتلكات الحياة، عليك أن تحذر شيئًا واحدًا فقط وأساسيًا:
إياك أن تشكو، لا تشكو لأحدهم أمرًا خاصًا. جميعهم، كل البشر، لا تخبرهم قط بمثقال ذرة من ألمك، ولو أقسموا لك أنهم حملة العرش الثمانية، لا تخبر انسانًا عن أدنى شيء من أمورك الخاصة وما قد يمثل انكشافًا لك أمامهم.
الإنسان حقـ.ير بالفطرة، لا يوجد انسانًا قط، يمكنه حفظ كرامتك. مهما بلغت درجة عظمته، وعبقريته في فهم النفس البشرية، ومهما بدأ لك كأن طباعه إلهية والرحمة تقطُر من كل خلايا روحه. لا تخبره، هذه هي الحكمة الثابتة والوحيدة، في كل الأسفار والكتب والسماوية والحكايا الأرضية وما وراء هذا العالم. وإني مؤمن أن أكثر شاعر سيُعذب في الجحيم خالدًا مخلدًا فيها، هو صاحب البيت الشهير: ولا بد من شكوى لذو مروءة*** يواسيك أو يسليك أو يتوجع.
وإن المرارة التي يمكنك أن تحتملها لوحدك، أقل من تلك التي ستشعر بها حين تشكو لشخص أخر، سواء كان لديك احساس عال بالكرامة، أو حتى كنتَ مازوخيًا بمثل حالة الشاعر أعلاه.
لا تشكو لأحد. هكذا وصية مباشرة، لا تحتاج لصيغة شاعرية؛ كي تقتنع بها. لا بد أن نظرته لك ستتغير بعد أن تشكو له، سينخفض احترامه لك، ولو بكى نهرا من الدموع أمامك وبدأ لك أنه تألم ألمًا حقيقيًا وتعاطف معك بصدق. وبالفعل قد يكون صادقًا في تعاطفه، ولربما يجتهد بأقصى ما يستطيع ويقف جوارك، ببطولة وشهامة غير قابلة للتشكيك فيها. وقد يتمكن من تخفيف ألمك وينال امتنانك العميق. وحتى لو فعل ذلك، ستكون بليدًا لو شعرت أنه كان شخص مناسب للشكوى، إذ لا يوجد شخص مناسب قط، لفعل كهذا، لا يوجد شخص في الكوكب، يجرؤ على القول: إن نظرته لك لم تتغير أو أنه يشعر تجاهك بالاحترام والتقدير العالي، وبمثل شعوره بالضبط قبل شكواك له.
الإنسان كائن حقـ.ير بالفطرة. هذه هي الفكرة الوحيدة التي اتفق عليها كل الحكماء بمختلف مذاهبهم، إنهم يستلذون حين يكتشفون أي جانب مثير للتعاطف فيك، يشعرون بغبطة خفية، وغالبًا، يكون دوافعهم في الوقوف جوارك، ليس لكونك شكوت لهم ولا لأنك تتألم من أمر ما، بل مكافأة للمسرّة الغريبة التي منحتها لهم، حين قررت أن تكشف لهم وجعًا خاصًا بك أو عرضت عليهم نقطة ضعف في حياتك. حتى أكثرهم نبلا ومحبة لك، أكثرهم صدقًا ونزاهة ومحبة للبشر أجمعين، وأكثرهم قربًا لك بشكل خاص. لا يخلو من حقارة فطرية، لذة خفية، تجعله يرتاح لأي لحظة انكشاف تبديه أمامه، حتى هو قد لا يدرك ذلك في نفسه..وقد لا تشعر أن فيه شيء من الخساسة؛ لكن وفي كل الحالات، ما هو مؤكد، ما هو سليم وحكيم، هو ألا تخبره، لا تخبر انسانًا قط، لا تشكو مثقال ذرة من مخاوفك أو تمر به. اقبض جرحك بنبل وصمت حتى أخر لحظة بحياتك..قد تتمكن من الصمود كبطل أو حتى تغادر بمزاج عال. في الحالتين، سلوكك جليل وكامل الحكمة.
"من عاش يحتمل الحياة؛ كمحنة، أبت الحياة عليه أن تتحمله"
