
مقال 3 دقائق للقراءة
أمير الدواهي (صلاح جاهين)
فركَّز واكتشف ونهل واغترف. وباعتقال فؤاد حداد، خلت الساحة أمامه، فلم يكذِّب خبرًا، وقاد الجبهة الشعرية، وكانت أسلحته ذاخرة ومتنوعة وكثيرة وكثيفة.
هكذا وصفه الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم حينما رثاه قائلًا: «وتحت السواهي أمير الدواهي».
إذا أردنا أن نعرف صلاح جاهين، فلا يجب النظر إليه على أنه شاعر فقط، بل ننظر إليه كمشروع فني شامل؛ فهو الشاعر والمسرحي والسيناريست والمؤلف ورسام الكاريكاتير. وكل فن من هذه الفنون يظهر في الآخر، فتجد في قصيدته الكاريكاتير والمسرح والشعر، وتجد في مسرحه الشعر والكاريكاتير والتمثيل والغناء، وتجد في رسمة الكاريكاتير المسرح والشعر والفن والنكتة.
وإذا كنا هنا بصدد جاهين الشاعر، فإننا لا يجب أن نفصله عن باقي فنونه ومواهبه، بل من الإنصاف أيضًا أن ننظر إليه كابن لمرحلة مهمة ومفصلية في تاريخ مصر، حيث بزغ نجمه مع بزوغ ثورة يوليو 1952، وأحلامها التي ارتبطت بأحلام شباب هذا الزمن وتطلعاته وآماله.
عندما شبَّ جاهين، كانت حركة العامية المصرية في مخاضها الذي وَلَّد لنا شكلًا جديدًا لم يكن معروفًا، أرسى شكله وقواعده، كما ذكرنا سابقًا، والد الشعراء فؤاد حداد. وهنا انبهر جاهين وهالَه ذاك الشكل الجديد للقصيدة العامية، المتسقة مع نفسها وعصرها، ولها سياقها الخاص، فركَّز واكتشف ونهل واغترف. وباعتقال فؤاد حداد، خلت الساحة أمامه، فلم يكذِّب خبرًا، وقاد الجبهة الشعرية، وكانت أسلحته ذاخرة ومتنوعة وكثيرة وكثيفة.
كان بين الناس، ففهم لغتهم، وبين المثقفين، فعرف كنههم، واستطاع بموهبته أن يربط بين أولئك وهؤلاء. فباللغة البسيطة السهلة الممتنعة، صاغ مصطلحاته الخاصة التي ضاهى بها فحول الشعراء. فقد وصف بعض النقاد قصيدة له، مثلًا، بعنوان «غنوة برمهات»، بأنها تكاد تكون القصيدة الرئيسية في بدايات حركة شعر العامية، منذ أن انطلقت صيحتها الأولى وحتى ظهور ديوان «قصاقيص ورق»، الذي ضم هذه القصيدة في نهايته. فتلك القصيدة، كمثال بسيط، وصفها الكبير عبد الرحمن الأبنودي بأنها أجمل ما سمع من شعر العامية، وقال عنها الفاجومي أحمد فؤاد نجم: «أنا بتكهرب أما أسمعها».
لم يكن جاهين يكتب فقط، بل كان يدرك تمامًا ما يريده، وما يريد أن يكتبه ويصل به إلى الناس، ويرتقي أيضًا به وبالقصيدة العامية إلى مراتبها العليا. فاستخدم كل أدوات وعناصر الشعر، واستخدم أيضًا ظلال النغم القرآني، كما فعل الأولون. ففي خضم الصراع بين العامية والعربية، اتُّهمت العامية بأنها تهديد صارخ للغة القرآن الكريم، ليأتي جاهين برده القاطع، فيخلِّد لغة القرآن بقدرته اللغوية: «ما ودعك صاحبك ولا خان هوى ولا من هلاك الحب قال يا نجا مهما انضنا وابتلى ولا عمره قال يا أنا تشهد عليه الأرض قبل السما إنه أمين».
واستطاع تطويع اللغة وتشكيلها كيفما يشاء، ليرسم صورًا غاية في الجمال والروعة، زيادة على أنها كانت، لأول مرة، تُستخدم بهذه اللغة.
ولكن جاهين لم يكن صداميًّا ولا هجوميًّا في نقده الواقع والمجتمع، فلم تطله قيود السجون والمعتقلات كما طالت مزامليه من الشعراء والأدباء. فاتُّهم بعضهم بأنه باع القضية وشق الصف ليكسب رضا السلطة، فانزوى جاهين وأُصيب بحالة شديدة من الاكتئاب والحزن، ولم يستطع الكلام ولا البوح، حتى جلس على مكتبه، وأخرج قلمه ودفتره، وصدح بما يغلي في صدره، في حالة من أصدق حالات المصارحة والمكاشفة مع النفس. فالزخم الشديد في قلب مرهف حساس فنان، كقلب جاهين، لا ينتج سوى عبقرية فذة، فكان «الكلام أحمر ملعلع رهيب».
وهذه الأمثلة من قصيدة واحدة، لأن جاهين، هذا البحر الزاخر، لا ينضب، ولا يمكننا حصر أمثلته، ولكن يمكننا أن نستشف قلبه الذي كان: «قلعة نحاس صهدِت على الحراس داخوا ولما زاد الصهد ساح قفلها ملعون في كل كتاب يا داء السكوت ملعون في كل كتاب يا داء الخَرَس الصمت قضبان منسوجين عنكبوت اتشندلوا الخيالة فيه بالفرَس اتشندلوا الخيالة وإيش حال بقا عصافير غناوي صغيرة رقيَّقة حياتها في الزقزقة وأنا قلبي طير خير لو ما غنَّاش يموت».
