
مقال 3 دقائق للقراءة
لاتحكم على الكتاب من غلافة
لاتحكم على الكتاب من غلافة
لا تحكم على أحد من ظاهره كم مرة رأينا شخصًا يبتسم فظننا أن حياته خالية من الهموم؟ وكم مرة رأينا إنسانًا صامتًا فحسبناه متكبرًا، بينما كان يخوض في داخله معركة لا يعلم بها أحد؟ نحن نرى الوجوه، لكننا لا نرى ما خلفها. نرى التصرفات، ولكننا لا نعرف دائمًا الأسباب التي صنعتها، ولا الليالي التي عاشها الإنسان وحيدًا، ولا المواقف التي غيّرت شيئًا في داخله. قد تقابل إنسانًا قليل الكلام، ليس لأنه لا يحبك، بل لأنه متعب من كثرة ما مرّ به. وقد ترى شخصًا يضحك كثيرًا، بينما يخفي خلف ضحكته حزنًا كبيرًا لا يريد أن يراه أحد. وقد تجد شخصًا سريع الغضب، ولا تعلم كم من الضغوط تراكمت في قلبه حتى أصبح لا يحتمل المزيد. وقد يخطئ أحدهم في موقف، فلا تجعل خطأً واحدًا يمحو كل ما فيه من خير. فنحن جميعًا نخطئ، وكل إنسان لديه لحظات ضعف وقرارات يتمنى لو استطاع العودة لتغييرها. الحياة علمتنا أن لكل إنسان قصة لا نعرف تفاصيلها، وأن وراء بعض الصمت ألمًا، ووراء بعض الابتسامات دموعًا، ووراء بعض القسوة قلبًا أرهقته التجارب. لهذا فإن الرحمة أجمل من الحكم، والتماس العذر أرقى من سوء الظن، والكلمة الطيبة أعمق أثرًا مما نتخيل. لا تتسرع في إصدار الأحكام على الناس، ولا تجعل ما تسمعه عن شخصٍ سببًا لتكرهه قبل أن تعرفه بنفسك. فقد تسمع نصف الحقيقة، وقد تُنقل إليك الكلمات بطريقة مختلفة، وقد يكون للشخص عذر لو عرفته لتغير حكمك عليه تمامًا. كم من إنسان ظلمناه بظن، ثم اكتشفنا بعد ذلك أننا لم نكن نعرف الحقيقة! وكم من شخص ابتعدنا عنه بسبب كلام الآخرين، ثم أدركنا متأخرين أن الصورة التي رسموها لنا عنه لم تكن كاملة. لا تجعل موقفًا عابرًا يحدد قيمة إنسان بأكمله، ولا تجعل لحظة غضب تمحو سنوات من المواقف الجميلة. فالإنسان أكبر من خطئه، وأعمق من مظهره، وأوسع من أن تختصره في موقف واحد. عامل الناس كما تحب أن يعاملوك عندما تكون متعبًا، وحزينًا، ومثقلًا بما لا تستطيع شرحه. ربما تقابل شخصًا اليوم وهو يعيش أصعب أيام حياته، ومع ذلك لم يخبر أحدًا. قد تكون ابتسامتك له، أو سؤالك عنه، أو كلمة لطيفة تقولها دون اهتمام كبير منك، شيئًا عظيمًا بالنسبة إليه. فالكلمات لا تُرى، لكنها تستطيع أن تداوي قلبًا أو تجرحه. والمواقف الصغيرة قد تمر عليك عابرة، لكنها قد تبقى في ذاكرة إنسان سنوات طويلة. لذلك كن لطيفًا ما استطعت، ولا تجعل قسوة الحياة تنتقل إلى الآخرين من خلالك. ازرع أثرًا جميلًا أينما ذهبت، وامنح الناس مساحة ليكونوا بشرًا يخطئون ويتعبون ويحزنون ثم يحاولون من جديد. وتذكر دائمًا أن الإنسان قد ينسى حديثًا طويلًا دار بينكما، وقد ينسى تفاصيل الموقف، لكنه غالبًا لن ينسى كيف جعلته يشعر. فلا تحكم على كتابٍ من غلافه، ولا على إنسانٍ من موقفٍ واحد؛ فخلف كل وجه حكاية لا تعرفها، وخلف كل قلب تفاصيل لم تُحكَ بعد. اجعل شعارك دائمًا: قبل أن تحكم… افهم، وقبل أن تجرح… فكّر، وقبل أن تسيء الظن… التمس عذرًا.
