
مقال دقيقة للقراءة
بين عدالة الأرض ويقين السماء.. متى يُعدم الشاهد؟
في أروقة المحاكم، لا تُوزن الكلمات بمجرد حروفها، بل بما تحمله من حياة أو موت. وقد توقفت كثيراً أمام العبء الثقيل الذي يحمله القاضي الجنائي، وكيف أحاط المُشرّع إزهاق الروح بضمانات مشددة لا تقبل الشك. حكم الإعدام ليس مجرد قرار، بل هو يقين تام تُحصّنه خمس ضمانات صارمة: إجماع القضاة
، ثم رأي المفتي، ثم طعن المتهم، وطعن النيابة، وأخيراً تصديق رئيس الجمهورية. كل هذا لأن الروح إذا زُهقت، استحال ردها. لكن المفارقة الأعمق والأكثر رعباً تكمن في "الكلمة الكاذبة". فلو وقف شخص وأقسم كذباً، وترتب على شهادته الباطلة إعدام إنسان بريء بحكم بات، فإن ميزان العدالة يدور ليقتص من الشاهد نفسه.. فيُحكم بإعدام الشاهد الزور تطبيقاً لمبدأ "كما تدين تُدان". مصداقاً لقوله تعالى: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}. وهنا يتجلى ما يُعرف بـ "عقيدة القاضي".. ذلك البصيرة واليقين الداخلي الذي يُمكنه من اختراق حجب الزيف. فالقاضي المتمرس لا تخدعه الأوراق وحدها، ولا حِيَل بعض الجناة الذين يشترون ذمم المجني عليهم ليتراجعوا عن أقوالهم. القاضي الفطن يقرأ لغة العيون، ويدرك متى يكون التراجع عن الشهادة مدفوعاً بثمن، فيرفض هذا العدول، ويقضي بما استقر في يقينه وضميره كخليفة لله في إرساء العدل على الأرض. كم هي مرعبة فكرة أن كلمة واحدة قد تُنهي حياة، وكلمة أخرى قد تُحييها!
