
مقال دقيقتان للقراءة
الثائر الأخير (أحمد فؤاد نجم)
هذا البطل الذي غنّى عن الشعب، بالشعب، وللشعب «الصايم المحروم على مر السنين» وعن مصر، بمصر، ولمصر «أم طرحة وجلابية».
لم يعرف العالم، قبل عام (١٩٢٩)، ولا أظن أنه قد عرف بعده، «عصفور محندق يزقزق كلام موزون وله معنى».
وُلِد الفاجومي (أحمد فؤاد نجم) لأسرة فقيرة ذات مسؤوليات كبيرة. سمّاه أبوه «أحمد فؤاد»، تيمّنًا باسم الملك (أحمد فؤاد الأول)، ملك مصر حينئذٍ، أملًا في أن يصبح ذا شأن كبير في المستقبل. ولكن كان نصيبه من تلك التسمية أنه عمل أجيرًا في الأراضي الملكية الخاصة.
غير أن علامات التمرد والثورة والغضب والفعل ورد الفعل ظهرت عليه مع أول نداء وطني. فحينما دارت به دنيا البحث عن الرزق والعمل، عمل في أحد معسكرات جيش الاحتلال الإنجليزي. وعندما خرج زعيم الأمة (مصطفى باشا النحاس) على الشعب بكلمته الشهيرة: «من أجل مصر وقّعت معاهدة ١٩٣٦، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها»، تلك المعاهدة التي أمّلت المصريين في استقلال، ربما كان جزئيًّا، ولكن جاءت النتيجة مخالفةً للتوقعات؛ إذ زاد نفوذ الإنجليز، وفرضوا الحماية على مصر، مما دفع النحاس، زعيم الوفد، إلى إلغائها.
وهلّل الشعب جميعه، وقد طلبت الحكومة من المصريين الذين يعملون في المعسكرات الإنجليزية ترك أعمالهم، على أن توفر لهم الحكومة بدائل في الوزارات المصرية. ولبّى الجميع نداء الوطن، وكان نجم من أوائل المستجيبين، فترك العمل في المعسكر، ووُفِّر له عمل بديل.
حتى حدثت حادثة تورّط فيها في قضية نصب، دخل على إثرها السجن لأول مرة. وفي السجن، كانت تُقام ندوات ثقافية، كان يصول فيها ويجول، ويصدح بأشعاره، حتى صدر له ديوانه الأول يوم خروجه، بعنوان «صور من الحياة والسجن».
وتعرّف بعد خروجه على صديق له كان حلقة وصل بينه وبين (الشيخ إمام). وعندما تعرّف الصديقان، وجد كلٌّ منهما ضالّته في الآخر، أو كما قال نجم واصفًا تلك العلاقة: «إمام كان صوتي، وأنا كنت عينيه».
وفي هذا التعارف الأول، اتفقا على أن يكتب نجم ويلحّن إمام، فكانت أول قصيدة تجمعهما بعنوان «أنا أتوب عن حبك أنا»، والتي برع إمام في تلحينها، وعاشت بيننا حتى الآن:
«وإن كان أمل العشاق القرب، أنا أملي في حبك هو الحب».
وانطلق الاثنان بعد ذلك يُحييان الأفراح الشعبية وأعياد الميلاد والطهور، وغيرها من المناسبات التي اعتاد المصريون الاحتفال بها، حتى جاءت النقطة الفاصلة في حياة الاثنين، وأُصيبت مصر بنكسة يوليو ١٩٦٧، ليبدأ الفصل الأهم والأخطر في حياة الفاجومي (أحمد فؤاد نجم)، والذي سنبدأ به المقال القادم، استكمالًا لسيرة هذا البطل الذي غنّى عن الشعب، بالشعب، وللشعب «الصايم المحروم على مر السنين» وعن مصر، بمصر، ولمصر «أم طرحة وجلابية».
