
مقال دقيقتان للقراءة
بالتواضع نجتمع.. وبالإتقان نرتفع
الشارات تكليفٌ لا تشريف، وتحفيزٌ لا تمييز؛ والمنصة بيتٌ رحبٌ لا فضل لأحدٍ فيه إلا بجودة ما يقدّمه
كثُر الحديثُ في الآونة الأخيرة عن التوثيق والشارات في منصة #مجتمع ؛ فمن مُصرِّحٍ بما في نفسه جهارًا، ومن مُلمِّحٍ همزًا ولمزًا، ومن كتمه في جوف صدره وأرخى عليه ستر الصمت. وما زالت المسألة تتنقّل بين الألسنة حتى أخذت منحًى آخر، كحجرٍ صغيرٍ أُلقي في غديرٍ ساكنٍ، فاتسعت دوائره وتعكّر صفاؤه؛ وأخشى أن يفضي ذلك إلى ما يضرّ بالمنصة ويفسد حالها، من قريبٍ أو من بعيد. أما الشارة فهي عندي لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر؛ لا تُعلي قدرَ امرئٍ ولا تحطّ منه، فقيمة المرء ما يحمله في عقله وخُلُقه، لا ما يُعلَّق على اسمه من علامات؛ والمسكُ يُعرف بأريجه، لا بما كُتب على قارورته. وهي في ميزاني مسؤوليةٌ مُنحت، فهي تكليفٌ لا تشريف، وأمانةٌ في العنق قبل أن تكون وسامًا على الصدر. وقد يراها بعضهم تمييزًا، وما هي في حقيقتها إلا تحفيزٌ يشدّ العزم ويستنهض الهمم؛ كمنارةٍ تُرفع على الساحل، لا ليفتتن الناس بعلوّها، بل ليهتدوا بنورها. فالعبرة إذن بما نقدّمه من خدماتٍ تُعين على اتساع رقعة هذه المنصة العربية بامتياز، وبأن نُقدِّم الوجه الأمثل ونكون القدوة الحسنة، حتى تنهض هذه المنصةُ الفتيّة على سواعد أبنائها، شامخةً بأهلها لا بشاراتها. فما أينع بستانٌ بكثرة أسواره، وإنما أينع بيدٍ تعاهدت غرسه وسقيَه. وهذه المنصةُ ما جمعت أطيافَها إلا لتكون بيتًا رحبًا يتّسع للجميع؛ فالشاعرُ فيها يصوغ من الحرف قصيدته، والأديبُ ينسج من البيان ثوبه، والطبيبُ يخلع معطفه ليُصغي إلى نبض الكلمة، والقارئُ يُنصت فيُنصف، والمهتمُّ يطرق الباب فيجد في الرحاب مكانًا. وكلٌّ لبنةٌ في صرحٍ واحد، لا يقوم إلا بالجميع، ولا فضلَ لأحدٍ على أحدٍ إلا بجودة ما يقدّمه من إنتاجٍ وخدمةٍ لهذا الصرح؛ وما عدا ذلك فالناسُ هنا سواءٌ كأسنان المشط. فلنكن رحماءَ فيما بيننا، ولنخفض للجمع جناحَ التواضع؛ فالرحمةُ تؤلّف القلوب، والتواضعُ يرفع صاحبه، وقلّما تفرّق جمعٌ إلا من كِبرٍ، وقلّما ائتلف إلا بلِينٍ. فمن حمل شارةً فليحمل معها همَّها، ومن لم يحملها فلا ينقص ذلك من قدره شيئًا؛ فإنما الشارة سراجٌ صغير، يُضيء لصاحبه الطريق إلى خدمة الناس، ويخبو إن عدَّه غايةً، وما هو إلا وسيلة. #مجتمع #ثقافة #أدب #عائلة
