
مقال 6 دقائق للقراءة
حين يغيب العدل... تتصدع جدران الأخلاق
المقال السابع من سلسلة: الأخلاق بين واقع مؤلم وأمل في الإصلاح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،
ليس أشدَّ خطرًا على أخلاق المجتمع من أن يصبح العدل كلمةً تُقال، بينما يشعر الناس أن تطبيقها يتغير بتغير الأشخاص والمصالح والمكانة. فالعدل ليس حكمًا يصدر في قاعة محكمة فحسب، ولا قانونًا يُكتب على صفحات الدساتير، بل هو روحٌ ينبغي أن تسري في تفاصيل الحياة؛ في البيت، والمدرسة، ومكان العمل، والشارع، وفي كل موقف يقف فيه إنسان أمام إنسان آخر. وحين يرى الطفل أن الحقوق تُمنح بحسب القرب لا الاستحقاق، وأن الخطأ يُغتفر لبعض الناس بينما يُضخَّم عند غيرهم، وأن صاحب النفوذ يستطيع الإفلات مما لا يستطيع الضعيف الإفلات منه، تبدأ في داخله أسئلةٌ قد لا يعرف كيف يصوغها، لكنها تترك أثرها في نظرته إلى العالم. لماذا ألتزم إذا كان غيري يتجاوز ولا يُحاسب؟ ولماذا أكون صادقًا إذا كان الكذب يفتح أبوابًا مغلقة؟ ولماذا أحترم النظام إذا كنت أرى من حولي من يخرقه ثم يمضي كأن شيئًا لم يكن؟ وهنا تكمن خطورة الأمر؛ فحين يفقد الإنسان ثقته في عدالة القواعد، قد يبدأ في البحث عن طرقٍ ملتوية تحمي مصالحه، بدلًا من أن يؤمن بأن احترام القواعد هو الطريق الطبيعي لحفظ الحقوق. العدل... المعلم الصامت للأخلاق قد نعلّم أبناءنا أن الصدق فضيلة، وأن الأمانة واجب، وأن احترام القانون مسؤولية، لكنهم يحتاجون أيضًا إلى أن يروا هذه القيم حاضرةً في واقعهم. فالطفل الذي يشاهد والديه يطبّقان القواعد على الجميع دون محاباة، يتعلم أن العدل ليس شعارًا، بل سلوك. والطالب الذي يرى معلمه ينصفه وينصف زميله، حتى حين يختلف مع أحدهما، يتعلم أن الكرامة لا تُمنح بالمحبة الشخصية، وأن الحقوق لا تتبدل بحسب الأهواء. والشاب الذي يرى أن الاجتهاد يُقدَّر، وأن الخطأ يُحاسَب عليه صاحبه بعدل، وأن الاعتذار وإصلاح الضرر يمكن أن يفتحا بابًا للتصحيح، يصبح أكثر قدرةً على فهم العلاقة بين الحرية والمسؤولية. إن العدل يربي الناس دون أن يرفع صوته؛ لأنه يمنحهم نموذجًا عمليًا لما ينبغي أن تكون عليه الحياة المشتركة. حين تصبح المحاباة مدرسةً للانحراف المحاباة ليست مجرد مجاملةٍ عابرة، بل تصبح خطرًا حين تتحول إلى قاعدة تحكم توزيع الحقوق والفرص. حين يحصل إنسان على ما لا يستحق لأنه قريبٌ من صاحب القرار، بينما يُحرم آخر رغم اجتهاده، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس ليست أن العمل الجاد طريق النجاح، بل أن العلاقات قد تكون أهم من الكفاءة. وحين يُعفى شخص من مسؤولية خطئه لمكانته، ثم يُعاقَب آخر على خطأ مماثل، فإن معنى المساءلة يتراجع، ويحل محله شعورٌ بأن القواعد ليست واحدةً للجميع. ومع تكرار هذه المشاهد، قد يفقد بعض الناس حماسهم للعمل النزيه، أو يعتقدون أن عليهم أن يقلدوا السلوك الخاطئ حتى لا يكونوا الخاسرين الوحيدين. لكن علينا أن ننتبه إلى أمر مهم: فساد بعض الممارسات لا يجعل الفساد قدرًا محتومًا، ولا يمنح الإنسان عذرًا لإيذاء الآخرين أو انتهاك حقوقهم. فالإصلاح يبدأ حين نرفض أن نكون جزءًا من المشكلة، حتى عندما نرى غيرنا يستفيد منها. هل يصنع الظلم إنسانًا سيئ الأخلاق؟ قد يدفع الشعور بالظلم بعض الناس إلى الغضب، أو فقدان الثقة، أو الانسحاب من المشاركة الإيجابية في المجتمع. وقد يحاول آخرون تعويض ما يشعرون أنهم فقدوه بطرقٍ لا تتفق مع القيم التي يؤمنون بها. لكن ليس كل من تعرض للظلم يتحول إلى ظالم، وليس كل من عاش ظروفًا صعبة يتخلى عن مبادئه. فكثيرون يحافظون على نزاهتهم رغم المشقة، ويختارون الطريق الصحيح مع علمهم بأنه أصعب. وهذا هو الفارق بين أن نفهم أسباب السلوك، وأن نبرره. إن المجتمع العادل لا يلغي مسؤولية الفرد عن أفعاله، لكنه يقلل من الظروف التي تشجع على الانحراف، ويمنح الإنسان ثقةً أكبر بأن حقوقه محفوظة، وأن بإمكانه المطالبة بها دون أن يضطر إلى الاعتداء على حقوق غيره. فالعدل لا يصنع الأخلاق وحده، لكنه يهيئ لها أرضًا أكثر خصوبةً للنمو. من البيت إلى الشارع... العدل مسؤولية الجميع إذا أردنا أن نغرس العدل في نفوس أبنائنا، فعلينا أن نبدأ من التفاصيل الصغيرة. أن نسمع رواية كل طفل قبل إصدار الحكم، وألا نفضل ابنًا على آخر دون سبب عادل، وألا نجعل الاعتراف بالخطأ إهانةً، بل خطوةً نحو الإصلاح. وفي المدرسة، ينبغي أن تكون القواعد واضحة، وأن تُطبَّق على الطلاب دون تمييز، وأن يجد المتضرر طريقًا آمنًا لطلب المساعدة. وفي الشارع، يجب أن يتعلم الأبناء أن الممتلكات العامة حقٌ للجميع، وأن احترام النظام لا يتوقف على وجود شرطي، وأن حق الإنسان في الأمان والكرامة لا يتغير باختلاف مظهره أو مكانته. أما في المجتمع، فإن مكافحة المحاباة والفساد، وحماية الحقوق، وإتاحة فرص عادلة للتعليم والعمل، وتعزيز الثقة في المؤسسات، ليست مسائل إدارية بعيدة عن الأخلاق؛ بل هي جزءٌ أساسي من البيئة التي تتشكل فيها قيم الناس وسلوكياتهم. كيف نستعيد الثقة بين الأخلاق والعدل؟ إن الإصلاح لا يبدأ بترديد كلمة العدل، بل بتحويلها إلى ممارسات ملموسة. يبدأ بالإنصاف في الحكم على الناس، ورفض المحاباة، والالتزام بالقواعد التي نطالب الآخرين باحترامها. ويبدأ أيضًا بأن نعلم أبناءنا أن الاعتراض على الظلم يكون بالحجة والوسائل المشروعة، وأن المطالبة بالحق لا تبرر الاعتداء على حقوق الآخرين. كما يحتاج المجتمع إلى مؤسسات تطبق القوانين بوضوح، وتحاسب على التجاوزات، وتحمي من يطلب حقه، وتمنح كل إنسان فرصةً عادلة للتعلم والعمل والمشاركة. ولا ينبغي أن نغفل عن أهمية القدوة؛ فحين يرى الصغير الكبير يعترف بخطئه، ويعيد الحق إلى صاحبه، ويرفض منفعةً لا يستحقها، فإنه يتعلم أن النزاهة ليست سذاجة، وأن العدل ليس ضعفًا، وأن احترام الحقوق هو أحد وجوه القوة الحقيقية. كلمة أخيرة... لا أخلاق بلا إنصاف إن الأخلاق والعدل جناحان لا يستقيم تحليق المجتمع بأحدهما دون الآخر. فالأخلاق تمنح الإنسان الدافع إلى فعل الخير، والعدل يحمي الحقوق ويضع حدودًا واضحةً أمام الاعتداء. وحين يتكاملان، يصبح المجتمع أكثر قدرةً على بناء الثقة، وحفظ الكرامة، ومواجهة الفساد. لا نريد أبناءً يلتزمون بالقيم لأنهم يخافون العقاب وحده، بل نريدهم أن يفهموا لماذا يجب أن يكونوا صادقين وأمناء ومنصفين. ولا نريد مجتمعًا يطالب الضعيف بالفضيلة بينما يتسامح مع تجاوزات القوي، بل مجتمعًا يرى في كرامة الإنسان وحقوقه أساسًا لا يجوز التلاعب به. فإذا أردنا أن نربي جيلًا يحترم الأخلاق، فعلينا أن نمنحه فرصةً ليرى العدل حيًّا أمام عينيه؛ لأن الإنسان قد يسمع الموعظة فينساها، لكنه حين يرى الإنصاف واقعًا، يتعلم أن الحق يستحق أن يُصان، وأن النزاهة تستحق أن تُعاش. وفي مقالنا القادم، سننتقل إلى سؤالٍ لا يقل أهمية: كيف نستطيع مواجهة تراجع الأخلاق عمليًا؟ وما الخطوات التي يمكن أن تتعاون الأسرة والمدرسة والمجتمع على تنفيذها لبناء جيلٍ أكثر وعيًا ومسؤولية؟ وللحديث بقية...
بقلم / أحمد عزيز الدين أحمد كاتب وروائي وشاعر
