استمتع بحاضرك
يعيش الإنسان عمره موزّعًا بين ثلاثة أزمنة: ماضٍ يسكن ذاكرته، وحاضرٍ ينساب من بين يديه، ومستقبلٍ يستنزف انتظاره. والعجيب أنّ الماضي، على انقضائه، قد يكون أشدّ حضورًا في نفسه من حاضره، وأنّ المستقبل، على غيابه، قد يستولي على تفكيره أكثر مما يستولي عليه الزمن الذي يعيشه.
وتكمن المفارقة في أنّ الإنسان يستطيع أن يستحضر ماضيه، وأن يتخيّل مستقبله، حتى يكاد ينسى أنّ كليهما لا يُعاش إلا من خلال الحاضر؛ فيمضي به العمر بين استعادة ما انقضى وانتظار ما لم يأتِ، حتى يصبح حاضرُه ماضيًا قبل أن يمنحه حقّه من الحياة.
وهكذا قد يقضي الإنسان عمره متنقّلًا بين زمنين لا يملكهما: يتحسّر على أحدهما، ويترقّب الآخر، فيما يتسرّب الزمن الوحيد الذي يملكه من بين يديه.
ولعلّ الحكمة أن يتصالح الإنسان مع ماضيه، فيأخذ منه العبرة دون أن يستوطنه، وأن يستقبل مستقبله بالأمل والسعي دون أن يرهن له سعادته؛ فيمنح حاضره حقّه من الفرح، ويعيش لحظاته بوعي وامتنان، قبل أن تتحوّل هي الأخرى إلى ذكريات. فما أقسى أن يبلغ الإنسان آخر عمره، فيكتشف أنّه قضى عمره يتحسّر على ما مضى، وينتظر ما سيأتي، حتى مضى به الزمن، وكانت الحياة التي يرجوها تمرّ به وهو منشغل بها عنها.
126