
مقال 3 دقائق للقراءة
المجاملة في زمن المصالح
المجاملات… حين يصبح الصدق غريبًا بيننا في زمنٍ أصبحت فيه الكلمات الجميلة كثيرة، والابتسامات حاضرة في كل لقاء، يبقى السؤال الأكثر إزعاجًا: كم كلمة نسمعها كل يوم وهي لا تشبه حقيقة ما في القلوب؟ المجاملة في أصلها سلوك راقٍ، وهي جزء من الذوق وحسن التعامل؛ فلا أحد يطالب الإنسان بأن يقول كل ما يفكر فيه، ولا أن يجرح الآخرين بحجة الصراحة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز المجاملة حدود اللطف، فتتحول إلى مبالغة، ثم إلى تزييف، وربما إلى نفاق اجتماعي يرتدي ثوب الأدب. نرى الخطأ ونصفق، ونشاهد التقصير ونمدح، ونسمع رأيًا لا نقتنع به فنقول لصاحبه: «أبدعت!» ثم ننتظر أن يغادر لنقول رأينا الحقيقي عنه! وهنا يحق لنا أن نسأل: هل أصبحنا نخاف من الحقيقة أكثر مما نخاف من الكذب؟ من المؤلم أن يعيش الإنسان محاطًا بأشخاص يخبرونه دائمًا بما يحب أن يسمع، لا بما يحتاج أن يسمع. فقد تكون كلمة صادقة قاسية قليلًا سببًا في تصحيح طريق، بينما تصنع عشرات المجاملات الكاذبة وهمًا كبيرًا يصعب اكتشافه. الصديق الحقيقي ليس ذلك الذي يصفق لك في كل مرة، ولا الذي يجعل منك شخصًا كاملًا لا يخطئ، بل هو الذي يعرف متى يساندك، ومتى يقول لك بهدوء: «هنا أخطأت، وكان بإمكانك أن تكون أفضل.» وهذه ليست قسوة، بل صورة نادرة من صور الاحترام. هناك فرق كبير بين الصراحة والوقاحة، كما أن هناك فرقًا أكبر بين المجاملة والنفاق. تستطيع أن تختلف مع إنسان وتحفظ كرامته، وأن ترفض رأيه دون أن تهينه، وأن تخبره بخطئه دون أن تكسره. فالصدق لا يحتاج دائمًا إلى صوت مرتفع، والحقيقة لا تحتاج إلى كلمات جارحة كي تكون حقيقة. وأخطر المجاملات ليست تلك التي نمنحها للآخرين في المناسبات العابرة، بل تلك التي تجعل الإنسان يصدق صورة غير حقيقية عن نفسه. عندما يمدحه الجميع خوفًا منه، أو طمعًا فيما لديه، أو رغبةً في كسب رضاه، فقد يظن أنه لا يخطئ، وأن قراراته دائمًا صحيحة، وأن كل من ينتقده حاقد أو عدو. وهنا تصبح المجاملة أحيانًا نوعًا من الخداع الجماعي. كم من شخصٍ أحاط نفسه بالمصفقين فابتعد عنه الصادقون! وكم من إنسانٍ غضب من كلمة نقد صادقة، ثم اكتشف بعد سنوات أنها كانت أثمن من مئات عبارات المديح! لا نحتاج في حياتنا إلى من يقول لنا دائمًا: «أنت رائع»، بل نحتاج إلى من يحب نجاحنا بما يكفي ليخبرنا أين أخطأنا، ويحترم عقولنا بما يكفي كي لا يخدعنا بكلمات لا يؤمن بها. جاملوا الناس بما يحفظ الود، ولكن لا تجعلوا المجاملة قبرًا للحقيقة. كونوا لطفاء دون زيف، وصريحين دون تجريح، وصادقين دون قسوة. فالكلمة الجميلة عظيمة عندما تكون صادقة، أما حين تُقال بلسانٍ يمدح وفي قلب صاحبه كلام آخر، فإنها تفقد أجمل ما فيها: صدقها. وفي النهاية يبقى سؤال يستحق أن نتوقف عنده: أيهما تفضّل في حياتك: شخصًا يجامل حضورك ثم ينتقدك في غيابك، أم شخصًا يصارحك بخطئك أمامك ويحفظ مكانتك حين تغيب؟ ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال كافية لتكشف لنا الفرق بين من يريد رضانا… ومن يريد مصلحتنا.
